السَّـلَامُ عَلَيْـكُمْ زائِرُنَا الْكَــرِيمُ ، يُشَرِّفُـنَا
أَنْ تَقُومَ بِالتَّسْجِيلِ لِلْمُشَارِكَةِ فِي الْمُنْتَدَى


دَعْوَةٌ إِلَى الْإِصْلاَحِ وَمُرَاجَعَةِ التُّرَاثِ مِنْ أَجْلِ تَصْحِيحِهِ .
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 شبهة أن الحسن البصري رحمه الله طعن في معاوية رضي الله عنه !!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: شبهة أن الحسن البصري رحمه الله طعن في معاوية رضي الله عنه !!    الجمعة 14 أكتوبر 2011 - 6:05


شبهة أن الحسن البصري رحمه الله طعن في معاوية رضي الله عنه !!






ذكر
الطبري في تاريخه ( 3/ 232 ) ضمن حوادث سنة ( 51هـ ) و ابن الأثير في
الكامل ( 3/ 487 ) نقلاً عن الحسن البصري أنه قال : أربع خصال كن في
معاوية لو لم تكن فيه إلا واحد لكانت موبقة له :


( 1 ) أخذه الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ونور الفضيلة .

( 2 ) استخلافه بعد ابنه سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب الطنابير .

( 3 ) ادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر .

( 4 ) قتله حِجْراً وأصحاب حِجْر ، فيا ويلاً له من حِجْر ويا ويلاً له من حِجْر وأصحاب حِجْر .

وأما الجواب عن هذه الشبهة فهو كالتالي :

أولاً : من ناحية السند :

هذه الرواية مدارها على أبي مخنف ، وأبو مخنف
هذا هو لوط بن يحيى الأزدي الكوفي ، قال عنه الذهبي كما في الميزان ( 3 /
419 ) وابن حجر كما في اللسان ( 4 / 492 ) : أخباري تالف لا يوثق به .
كما تركه أبو حاتم وغيره ، وقال عنه الدارقطني : ضعيف ، وقال ابن معين :
ليس بثقة ، وقال مرة ليس بشيء ، وقال ابن عدي شيعي محترق . ميزان الاعتدال
( 3 / 419 ) ، وعده العقيلي من الضعفاء . انظر الضعفاء للعقيلي ( 4 / 18 –
19 ) . و للمزيد من حال هذا الرجل راجع رسالة مرويات أبي مخنف في تاريخ
الطبري للدكتور يحيى بن إبراهيم اليحيى ( ص 43 – 45 ) ففيها مزيد بيان
وتفصيل عن حال هذا الرجل .


وعلى ذلك فالخبر ساقط ولا حجة فيه بسبب ضعف سنده ، هذا بالنسبة لرواية
الطبري . أما رواية ابن الأثير فقد أوردها ابن الأثير بغير إسناد . إذ كيف
نسلم بصحة خبر مثل هذا في ذم صحابي لمجرد وروده في كتاب لم يذكر فيه صاحبه
إسناد صحيح ، والمعروف أن المغازي والسير والفضائل من الأبواب التي لم
تسلم من الأخبار الضعيفة والموضوعة.

5-وقولهم على لسان الحسن البصري في ما روي عنه : أن معاوية أخذ الأمر من
غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة يُعد شبهة خامسة .

وجوابها : هذا الادعاء باطل من أساسه .. لأن الحسن بن علي رضي الله عنهما
قد تنازل لمعاوية رضي بالخلافة ، وقد بايعه جيمع الناس ولم نعلم أن أحداً
من الصحابة امتنع عن مبايعته .. ولست هنا بصدد الحديث عن صلح الحسن مع
معاوية أو أسباب ذلك ، وإنما الحديث ينصب في رد الشبهة التي أثيرت حول
معاوية من كونه أخذ الأمر من غير مشورة ..

وتفصيل ذلك :-

ذكر ابن سعد في الطبقات في القسم المفقود الذي حققه الدكتور محمد السلمي ( 1
/ 316 – 317 ) رواية من طريق ميمون بن مهران قال : إن الحسن بن علي بن
أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين ، بايعهم على الإمارة ،
وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه ، ويرضوا بما رضي به . قال المحقق
إسناده حسن .

ورواية أخرى أخرجها ابن سعد أيضاً وهي من طريق خالد بن مُضرّب قال : سمعت
الحسن بن علي يقول : والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم ، قالوا : ما هو
؟ قال : تسالمون من سالمت ، وتحاربون من حاربت . طبقات ابن سعد ( 1 / 286
، 287 ) . وقال المحقق : إسناده صحيح .

هذا ويستفاد من هاتين الروايتين ابتداء الحسن رضي الله عنه في التمهيد
للصلح فور استخلافه ، وذلك تحقيقاً منه لنبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم .


أخرج البخاري في صحيحه ( 5 / 361 ) من طريق أبي بكرة رضي الله عنه قال :
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو
يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول : ( إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن
يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) .


وقد علق ابن حجر الهيتمي على هذا الحديث بقوله : وبعد نزول الحسن لمعاوية
اجتمع الناس عليه ، وسمي ذلك العام عام الجماعة ، ثم لم ينازعه أحد من أنه
الخليفة الحق يومئذ . انظر : تطهير الجنان ( ص 19 ، 21 – 22 ، 49 ) .

وأخرج الطبراني رواية عن الشعبي قال : شهدت الحسن بن علي رضي الله عنه
بالنخيلة حين صالح معاوية رضي الله عنه ، فقال معاوية : إذا كان ذا فقم
فتكلم وأخبر الناس أنك قد سلمت هذا الأمر لي ، وربما قال سفيان – وهو سفيان
بن عيينة أحد رجال السند - : أخبر الناس بهذا الأمر الذي تركته لي ، فقام
فخطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه - قال الشعبي : وأنا أسمع – ثم قال
: أما بعد فإن أكيس الكيس – أي الأعقل – التقي ، وإن أحمق الحمق الفجور ،
وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما كان حقاً لي تركته
لمعاوية إرداة صلاح هذه الأمة وحقن دمائهم ، أو يكون حقاً كان لامرئ أحق
به مني ففعلت ذلك { وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين }[الأنبياء/111]
. المعجم الكبير ( 3 / 26 ) بإسناد حسن . وقد أخرج هذه الرواية كل من ابن
سعد في الطبقات ( 1 / 329 ) و الحاكم في المستدرك ( 3 / 175 ) و أبو نعيم
في الحلية ( 2 / 37 ) والبيهقي في الدلائل ( 6 / 444 ) وابن عبد البر في
الاستيعاب ( 1 / 388 – 389 ) .

و هذا الفعل من الحسن رضي الله عنه – وهو الصلح مع معاوية وحقنه لدماء
المسلمين - ، كان كعثمان بن عفان رضي الله عنه في نسخه للقرآن و كموقف أبي
بكر في الردة .

وبعد أن تم الصلح بينه و بين الحسن جاء معاوية إلى الكوفة فاستقبله الحسن و
الحسين على رؤوس الناس ، فدخل معاوية المسجد و بايعه الحسن رضي الله عنه و
أخذ الناس يبايعون معاوية فتمت له البيعة في خمس و عشرين من ربيع الأول
من سنة واحد و أربعين من الهجرة ، و سمي ذلك العام بعام الجماعة .

أخرج يعقوب بن سفيان و من طريقه أيضاً البيهقي في الدلائل من طريق الزهري ، فذكر قصة الصلح ،

و فيها : فخطب معاوية ثم قال : قم يا حسن فكلم الناس ، فتشهد ثم قال : أيها
الناس إن الله هداكم بأولنا و حقن دماءكم بآخرنا و إن لهذا الأمر مدة و
الدنيا دول . المعرفة و التاريخ (3/412) و دلائل النبوة (6/444-445) و ذكر
بقية الحديث .

أخرج البخاري عن أبي موسى قال : سمعت الحسن – أي البصري - يقول : استقبل
والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال ، فقال عمرو بن العاص : إني
لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها . فقال له معاوية - و كان خير
الرجلين - : أي عمرو ، إن قتل هؤلاء ، هؤلاء و هؤلاء ، هؤلاء من لي بأمور
الناس ؟ من لي بنسائهم ؟ من لي بضيعتهم ؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني
عبد شمس - عبد الله بن سمرة و عبد الله بن عامر بن كريز - فقال : اذهبا إلى
هذا الرجل فاعرضا عليه و قولا له و اطلبا إليه . فأتياه فدخلا عليه
فتكلما و قالا له و طلبا إليه . فقال لهما الحسن بن علي : إنّا بنو عبد
المطلب قد أصبنا من هذا المال و إن هذه الأمة قد عاثت في دمائها ، قالا :
فإنه يعرض عليك كذا و كذا و يطلب إليك و يسألك ، قال : فمن لي بهذا ؟ قالا
: نحن لك به ، فما سألهما شيئاً إلا قالا نحن لك به فصالحه ، فقال الحسن -
أي البصري - : و لقد سمعت أبا بكرة يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم على المنبر - و الحسن بن علي إلى جنبه و هو يقبل على الناس مرة و
عليه أخرى و يقول - : إن ابني هذا سيد و لعل الله أن يصلح به بين فئتين
عظيمتين من المسلمين . صحيح البخاري مع الفتح (5/361) و الطبري (5/158) .

و في هذه القصة فوائد كثيرة أفادها الحافظ في الفتح منها :-

1- عَلَمٌ من أعلام النبوة .

2- فيها منقبة للحسن بن علي رضي الله عنهما ، فإنه ترك الملك لا لقلة و لا
لذلة و لا لعلة ، بل لرغبته فيما عند الله ، و لما رآه من حقن دماء
المسلمين ، فراعى أمر الدين و مصلحة الأمة .

3- فيها ردّ على الخوارج الذين كانوا يكفرون علياً و من معه و معاوية و من
معه ، بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين .

4- فيها دلالة على فضيلة الإصلاح بين الناس ، ولا سيما في حقن دماء المسلمين .

5- فيها دلاله على رأفة معاوية بالرعية و شفقته على المسلمين ، و قوة نظره في تدبير الملك و نظره في العواقب .

6- فيها جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحاً للمسلمين .

7- و فيه جواز ولاية المفضول مع وجود الأفضل ، لأن الحسن و معاوية ولي كل
منهما الخلافة و سعد بن أبي وقاص (ت 55هـ) و سعيد بن زيد (ت51هـ) في الحياة
و هما بدريان . فتح الباري (13/71-72) .

و بهذا التنازل ، انتهت مرحلة من الصراع و عادة الأمة إلى الجماعة بعد أن
مرت بتجارب جديدة قاسية تركت آثارها عميقة في المخيلة لأجيالها المتلاحقة
حتى الوقت الحاضر .

وللمزيد حول تفاصيل الصلح و خطوات ذلك ، راجع كتاب : مرويات خلافة معاوية
في تاريخ الطبري للدكتور خالد الغيث ( ص 126 – 167 ) ، و كتاب : مواقف
المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية للدكتور محمد بن عبد الهادي الشيباني ( ص
110 – 120 ) فقد أجاد كل منهما في طرح الموضوع ومناقشته ..

6- شبهة توليته يزيد من بعده :

عمل معاوية رضي الله عنه جهده من البداية في سبيل إعداد ولده يزيد ، و
تنشئته التنشئة الصحيحة ، ليشب عليها عندما يكبر ، فسمح لمطلقته ميسون بنت
بحدل الكلبية ، و كانت من الأعراب ، و كانت من نسب حسيب ، و منها رزق
بابنه يزيد - انظر ترجمتها في : تاريخ دمشق لابن عساكر - تراجم النساء -
(ص397 - 401) – من أن تتولى تربيته في فترة طفولته ، وكان رحمه الله وحيد
أبيه ، فأحب معاوية رضي الله عنه أن يشب يزيد على حياة الشدة و الفصاحة
فألحقه بأهل أمه ليتربى على فنون الفروسية ، و يتحلى بشمائل النخوة و
الشهامة والكرم و المروءة ، إذ كان البدو أشد تعلقاً بهذه التقاليد .

كما أجبر معاوية ولده يزيد على الإقامة في البادية ، و ذلك لكي يكتسب قدراً من الفصاحة في اللغة ، كما هو حال العرب في ذلك الوقت .

و عندما رجع يزيد من البادية ، نشأ و تربى تحت إشراف والده ، و نحن نعلم أن
معاوية رضي الله عنه كان من رواة الحديث - تهذيب التهذيب لابن حجر
(10/207) - ، فروى يزيد بعد ذلك عن والده هذه الأحاديث و بعض أخبار أهل
العلم . مثل حديث : من يرد الله به خيراً يفقه في الدين ، و حديث آخر في
الوضوء ، و روى عنه ابنه خالد و عبد الملك بن مروان ، و قد عده أبوزرعة
الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة ، و هي الطبقة العليا . البداية و
النهاية لابن كثير (8/226-227) .

و قد اختار معاوية دَغْفَل بن حنظلة السدوسي الشيباني (ت65هـ) انظر ترجمته
في : تهذيب التهذيب لابن حجر (3/210) ، مؤدباً لولده يزيد ، و كان دغفل
علامة بأنساب العرب ، و خاصة نسب قريش ، و كذلك عارفاً بآداب اللغة العربية
.

هذا مختصر لسيرة يزيد بن معاوية قبل توليه الخلافة ..

أما عن فكرة ولاية العهد .. فقد بدأ معاوية رضي الله عنه يفكر فيمن يكون
الخليفة من بعده ، ففكر معاوية في هذا الأمر و رأى أنه إن لم يستخلف و مات
ترجع الفتنة مرة أخرى .

فقام معاوية رضي الله عنه باستشارة أهل الشام في الأمر ، فاقترحوا أن يكون
الخليفة من بعده من بني أمية ، فرشح ابنه يزيد ، فجاءت الموافقة من مصر و
باقي البلاد و أرسل إلى المدينة يستشيرها و إذ به يجد المعارضة من الحسين و
ابن الزبير ، و ابن عمر و عبد الرحمن بن أبي بكر ، و ابن عباس . انظر :
تاريخ الإسلام للذهبي – عهد الخلفاء الراشدين – (ص147-152) و سير أعلام
النبلاء (3/186) و الطبري (5/303) و تاريخ خليفة (ص213) . إلا أن ابن عمر
وابن عباس رضي الله عنهما قد بايعا فيما بعد طوعاً ليزيد .

و كان اعتراض هؤلاء النفر حول تطبيق الفكرة نفسها ، لا على يزيد بعينه .

ثم كانت سنة واحد وخمسين هجرية فحج معاوية في الناس و قرأ كتاب الإستخلاف
ليزيد على الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : لقد علمتم سيرتي فيكم ، و
صلتي لأرحامكم ، و صفحي عنكم و حلمي لما يكون منكم ، و يزيد ابن أمير
المؤمنين أخوكم و ابن عمكم و أحسن الناس لكم رأياً ، و إنما أردت أن تقدموه
باسم الخلافة و تكونوا أنتم الذين تنزعون و تؤمرون ، و تجيبون و تقسمون
لا يدخل عليكم في شيء من ذلك . راجع العواصم من القواصم (ص226-228) ، و
الكامل في التاريخ (2/512) .

و اعتبر معاوية أن معارضة هؤلاء ليست لها أثر ، و أن البيعة قد تمت ، حيث
أجمعت الأمة على هذه البيعة . راجع : الفصل في الملل و النحل لابن حزم
(4/149-151) و قد ذكر كيفية انعقاد البيعة و شروطها فعرضها عرضاً دقيقاً .

و كانت لتولية معاوية ابنه يزيد ولاية العهد من بعده أسباب كثيرة ، فهناك
سبب سياسي ؛ وهو الحفاظ على وحدة الأمة ، خاصة بعد الفتن التي تلاحقت يتلوا
بعضها بعضاً ، و كان من الصعوبة أن يلتقي المسلمون على خليفة واحد ، خاصة
و القيادات المتكافئة في الإمكانيات قد تضرب بعضها بعضاً فتقع الفتن و
الملاحم بين المسلمين مرة ثانية ، ولا يعلم مدى ذلك إلا الله تعالى .

وهناك سبب اجتماعي ؛ وهو قوة العصبية القبلية خاصة في بلاد الشام الذين
كانوا أشد طاعة لمعاوية ومحبة لبني أمية ، وليس أدل على ذلك من مبايعتهم
ليزيد بولاية العهد من بعد أبيه دون أن يتخلف منهم أحد .

وهناك أسباب شخصية في يزيد نفسه ، وليس معاوية بذلك الرجل الذي يجهل صفات
الرجال ومكانتهم ، وهو ابن سلالة الإمارة والزعامة في مكة ، ثم هو الذي قضى
أربعين سنة من عمره وهو يسوس الناس ويعرف مزايا القادة والأمراء والعقلاء
، ويعرف لكل واحد منهم فضيلته ، وقد توفرت في يزيد بعض الصفات الحسنة من
الكرم والمروءة والشجاعة والإقدام والقدرة على القيادة ، وكل هذه المزايا
جعلت معاوية ينظر ليزيد نظرة إعجاب وإكبار وتقدير ..

وقد سأل معاوية رضي الله عنه ولده يزيد يوماً حينما أنس منه الحرص على
العدل وتأسياً بالخلفاء الراشدين ، فقد كان يسأله عن الكيفية التي سيسير
بها في الأمة بعد توليه الخلافة ، فيرد عليه يزيد بقوله : ( كنت والله يا
أبةِ عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطاب ) . ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (
1 / 375 ) بسند حسن .

لمزيد من التفصيل و الأسباب التي أدت بمعاوية لأخذ البيعة ليزيد ، راجع
كتاب : مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية للأستاذ : محمد بن عبد
الهادي الشيباني ( ص 126- 136 ) . فقد أجاد الباحث في طرح الموضوع وأفاد ..

و تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤرخين والمفكرين المسلمين قد وقفوا حيال هذه
الفكرة مواقف شتى ، ففيهم المعارض ، و منهم المؤيد ، و كانت حجة الفريق
المعارض تعتمد على ما أوردته بعض الروايات التاريخية من أن يزيد بن معاوية
كان شاباً لاهياً عابثاً ، مغرماً بالصيد و شرب الخمر ، و تربية الفهود
والقرود ، و الكلاب … الخ . نسب قريش لمصعب الزبيري (ص127) و كتاب الإمامة
والسياسة المنحول لابن قتيبة (1/163) و تاريخ اليعقوبي (2/220) و كتاب
الفتوح لابن أعثم الكوفي (5/17) و مروج الذهب للمسعودي (3/77) و انظر حول
هذه الافتراءات كتاب : صورة يزيد بن معاوية في الروايات الأدبية فريال بنت
عبد الله (ص86-122) .

و لكننا نرى أن مثل هذه الأوصاف لا تمثل الواقع الحقيقي لما كانت عليه حياة
يزيد بن معاوية ، فإضافة إلى ما سبق أن أوردناه عن الجهود التي بذلها
معاوية في تنشئة وتأديب يزيد ، نجد رواية في مصادرنا التاريخية قد تساعدنا
في دحض مثل تلك الآراء .

فيروي البلاذري أن محمد بن علي بن أبي طالب - المعروف بابن الحنفية - دخل
يوماً على يزيد بن معاوية بدمشق ليودعه بعد أن قضى عنده فترة من الوقت ،
فقال له يزيد ، و كان له مكرماً : يا أبا القاسم ، إن كنت رأيت مني خُلُقاً
تنكره نَزَعت عنه ، و أتيت الذي تُشير به علي ؟ فقال : والله لو رأيت
منكراً ما وسعني إلاّ أن أنهاك عنه ، وأخبرك بالحق لله فيه ، لما أخذ الله
على أهل العلم عن أن يبينوه للناس ولا يكتموه ، وما رأيت منك إلاّ خيراً .
أنساب الأشراف للبلاذري (5/17) .

كما أنه شهد له بحسن السيرة والسلوك حينما أراده بعض أهل المدينة على خلعه
والخروج معهم ضده ، فيروي ابن كثير أن عبد الله بن مطيع - كان داعية لابن
الزبير - مشى من المدينة هو و أصحابه إلى محمد ابن الحنفية فأرادوه على
خلع يزيد فأبى عليهم ، فقال ابن مطيع : إن يزيد يشرب الخمر و يترك الصلاة و
يتعدى حكم الكتاب ، فقال محمد ما رأيت منه ما تذكرون ، قد حضرته و أقمت
عنده فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير يسأل عن الفقه ملازماً للسنة
، قالوا : ذلك كان منه تصنعاً لك ، قال : و ما الذي خاف مني أو رجا حتى
يظهر إليّ الخشوع ؟ ثم أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر ، فلئن كان
أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه ، و إن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا
بما لم تعلموا ، قالوا : إنه عندنا لحق و إن لم نكن رأيناه ، فقال لهم :
أبى الله ذلك على أهل الشهادة ، و لست من أمركم في شيء .. الخ . البداية و
النهاية (8/233) و تاريخ الإسلام – حوادث سنة 61-80هـ – (ص274) و حسن محمد
الشيباني إسناده ، انظر مواقف المعارضة من خلافة يزيد بن معاوية (ص384) .

وقد شهد له ابن عباس رضي الله عنه بالفضيلة وبايعه ، كما في أنساب الأشراف ( 4 / 289 – 290 ) بسند حسن .

كما أن مجرد موافقة عدد من كبار الشخصيات الإسلامية ، من أمثال عبد الله بن
الزبير و عبد الله بن عباس و أبو أيوب الأنصاري ، على مصاحبة جيش يزيد في
سيره نحو القسطنطينية ، فيها خير دليل على أن يزيد كان يتميز بالاستقامة ،
و تتوفر فيه كثير من الصفات الحميدة ، و يتمتع بالكفاءة والمقدرة لتأدية
ما يوكل إليه من مهمات .

أخرج البخاري عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى
عبادة بن الصامت و هو نازل في ساحة حمص و هو في بناء له و معه أم حرام ،
قال عمير : فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أول
جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا ، فقالت أم حرام : قلت يا رسول الله
أنا فيهم ؟ قال : أنت فيهم . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من
أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ، فقلت : أنا فيهم قال : لا . البخاري مع
الفتح (6/120) .

وأخرج البخاري عن محمود بن الربيع في قصة عتبان بن مالك قال محمود :
فحدثتها قوماً فيهم أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم
في غزوته التي توفي فيها ، و يزيد بن معاوية عليهم بأرض الروم . البخاري مع
الفتح (3/73) .

و في هذا الحديث منقبة ليزيد رحمه الله حيث كان في أول جيش يغزوا أرض الروم .

ولنستمع إلى وجهة النظر التي أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب - حول مسألة
ولاية العهد ليزيد – وهي جديرة بالأخذ بها للرد على ما سبق ، فهو يقول :
إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر و عمر في مجموع سجاياهما ،
فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام ، ولا عمر بن عبد العزيز ، و إن طمعنا
بالمستحيل و قدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر و عمر آخر ، فلن تتاح له بيئة
كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر و عمر ، وإن كان مقياس الأهلية ،
الاستقامة في السيرة ، والقيام بحرمة الشريعة ، والعمل بأحكامها ، و العدل
في الناس ، و النظر في مصالحهم ، والجهاد في عدوهم ، و توسيع الآفاق
لدعوتهم ، والرفق بأفرادهم و جماعاتهم ، فإن يزيد يوم تُمحّص أخباره ، و
يقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته ، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون
كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم ، و أجزل الثناء عليهم . العواصم من
القواصم لابن العربي (ص221) .

و نجد أيضاً في كلمات معاوية نفسه ما يدل على أن دافعه في اتخاذ مثل هذه
الخطوة هو النفع للصالح العام و ليس الخاص ، فقد ورد على لسانه قوله :
اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله ، فبلغه ما أملت و أعنه ، و
إن كانت إنما حملني حبّ الوالد لولده ، وأنه ليس لما صنعت به أهلاً ،
فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك . تاريخ الإسلام للذهبي – عهد معاوية بن أبي سفيان –
(ص169) و خطط الشام لمحمد كرد علي (1/137) .

و يتبين من خلال دراسة هذه الفكرة – وهي ولاية العهد من بعده لابن يزيد - ،
أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما كان محقاً فيما ذهب إليه ، إذ أنه
باختياره لابنه يزيد لولاية العهد من بعده ، قد ضمن للأمة الإسلامية
وحدتها ، و حفظ لها استقرارها ، و جنبها حدوث أية صراعات على مثل هذا
المنصب .

قلت : و قد رأى معاوية رضي الله عنه في ابنه صلاحاً لولاية خلافة الإسلام
من بعده و هو أعلم الناس بخفاياه و لو لم يكن عنده مرضياً لما اختاره .
وحول مبايعة يزيد بن معاوية رحمه الله بولاية العهد ، و حول نشوء هذه
الفكرة ، و حول كون يزيد أهلاً و كفئ لتوليه الخلافة بعد والده ، انظر :
مقال بعنوان : مبايعة يزيد بن معاوية بولاية العهد ، دراسة تاريخية ،
للدكتور : عمر سليمان العقيلي ، في مجلة كلية الآداب ، جامعة الملك سعود
المجلد (12) ج (2) .

و الغريب في الأمر أن أكثر من رمى معاوية و عابه في تولية يزيد و أنه ورثّه
توريثاً هم الشيعة الروافض ، مع أنهم يرون هذا الأمر في علي بن أبي طالب و
سلالته إلى اثني عشر خليفة منهم .

نعم إنا نستطيع أن نقول بأن يزيد بن معاوية هو أول من عهد إليه أبوه
بالخلافة ؛ ولكن لنتصور أن معاوية رضي الله عنه سلك إحدى الأمور الثلاث
الآتية :-

1- ترك الناس بدون خليفة من بعده ، مثلما فعل حفيده معاوية بن يزيد .

2- نادى في كل مصر من الأمصار بأن يرشحوا لهم نائباً ثم يختاروا من هؤلاء المرشحين خليفة .

3-جعل يزيد هو المرشح ، وبايعه الناس كما فعل .

ولنأخذ الأمر الأول :-

كيف ستكون حالة المسلمين لو أن معاوية تناسى هذا الموضوع ، وتركه ولم يرشح أحداً لخلافة المسلمين حتى توفي .

أعتقد أن الوضع سيكون أسوأ من ذلك الوضع الذي أعقب تصريح معاوية بن يزيد
بتنازله عن الخلافة ، وترك الناس في هرج ومرج ، حتى استقرت الخلافة أخيراً
لعبد الملك بن مروان بعد حروب طاحنة استمرت قرابة عشر سنوات .

ثم لنتصور الأمر الثاني :-

نادى مناد في كل مصر بأن يرشحوا نائباً عنهم ، حتى تكون مسابقة أخيرة ليتم
فرز الأصوات فيها ، ثم الخروج من هذه الأصوات بفوز مرشح من المرشحين ليكون
خليفة للمسلمين بعد وفاة معاوية .

سيختار أهل الشام ، رجل من بني أمية بلا شك ، بل وربما أنه يزيد ، وربما غيره .

وسيختار أهل العراق في الغالب الحسين بن علي رضي الله عنهما .

وسيختار أهل الحجاز : إما ابن عمر أو عبد الرحمن بن أبي بكر ، أو ابن الزبير رضي الله عن الجميع .

وسيختار أهل مصر : عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما .

والسؤال الآن : هل سيرضى كل مصر بولاية واحد من هؤلاء ، ويسلموا له ، أم ستكون المعارضة واردة ؟!

الجواب : أعتقد أن المعارضة ستظهر .

ولنسأل سؤالاً آخر : في حالة أنه تم اختيار كل مرشح من قبل الأمصار ، هل يستطيع معاوية أن يلزم كل مصر بما اختاره أهل المصر الآخر ؟!

الجواب : ستجد الدولة نفسها في النهاية أمام تنظيمات انفصالية ، وسيعمد
أدعياء الشر الذي قهرتهم الدولة بسلطتها إلى استغلال هذه الفوضى السياسية ،
ومن ثم الإفادة منها في إحداث شرخ جديد في كيان الدولة الإسلامية .

ونحن حينما نورد هذه الاعتراضات ، وربما حصل ما أشرنا إليه ، وربما حدث
العكس من ذلك ، ولكنا أوردنا ذلك حتى نتصور مدى عدم صحة الآراء التي
أحياناً يطلقها ويتحمس لها البعض دون الرجوع إلى الواقع التاريخي المحتم
آنذاك .

لقد تعرض المجتمع المسلم إلى هزة عنيفة بعد استشهاد عثمان بن عفان رضي الله
عنه ، وترك كيانات وتيارات سياسية وعقائدية خطيرة ، استوجبت من معاوية أن
يدرك خطورة الأمر والفرقة التي سوف تحصل للمسلمين إذا لم يسارع بتعيين
ولي عهد له ..

ويبقى الأمر الثالث : وهو ما فعله معاوية رضي الله عنه بتولية يزيد ولياً للعهد من بعده ..

و قد اعترف بمزايا خطوة معاوية هذه ، كل من ابن العربي في العواصم من
القواصم (ص228-229 ) ، وابن خلدون الذي كان أقواهما حجة ، إذ يقول : والذي
دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه ، إنما هو مراعاة المصلحة في
اجتماع الناس ، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل و العقد عليه - و حينئذ
من بني أمية - ثم يضيف قائلاً : و إن كان لا يظن بمعاوية غير هذا ،
فعدالته و صحبته مانعة من سوى ذلك ، و حضور أكابر الصحابة لذلك ، وسكوتهم
عنه ، دليل على انتفاء الريب منه ، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة ،
وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق ، فإنهم - كلهم - أجلّ من ذلك ،
و عدالتهم مانعة منه . المقدمة لابن خلدون (ص210-211) .

و يقول في موضع آخر : عهد معاوية إلى يزيد ، خوفاً من افتراق الكلمة بما
كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم ، فلو قد عهد إلى غيره
اختلفوا عليه ، مع أن ظنهم كان به صالحاً ، ولا يرتاب أحد في ذلك ، ولا يظن
بمعاوية غيره ، فلم يكن ليعهد إليه ، و هو يعتقد ما كان عليه من الفسق ،
حاشا لله لمعاوية من ذلك . المقدمة (ص206) . وانظر أقوالاً أخرى لمؤرخين
وباحثين يثنون على هذه الخطوة ، من أمثال : محمد علي كرد في كتابه :
الإسلام والحضارة الغربية ( 2 / 395 ) ، و إبراهيم شعوط في : أباطيل يجب أن
تمحى من التاريخ ( ص 334 ) ، و يوسف العش في : الدولة الأموية ( ص 164 ) ،
و مقال للدكتور : عمارة نجيب في مجلة الجندي المسلم ( ص 58 ) . لمزيد
تفصيل في هذا الموضوع ، راجع كتاب : مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن
معاوية ( ص 141 – 153 ) .

و ليس أفضل - قبل أن ننتقل إلى شبهة أخرى - من أن نشير إلى ما أورده ابن
العربي في كتابه العواصم من القواصم ( ص 231 ) من رأي لأحد أفاضل الصحابة
في هذا الموضوع ، إذ يقول : دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين استخلف يزيد بن معاوية ، فقال : أتقولون إن يزيد ليس بخير
أمة محمد ، لا أفقه فيها فقهاً ، ولا أعظمها فيها شرفاً ؟ قلنا : نعم ، قال
: و أنا أقول ذلك ، و لكن و الله لئن تجتمع أمة محمد أحب إلىّ من أن
تفترق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
شبهة أن الحسن البصري رحمه الله طعن في معاوية رضي الله عنه !!
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: أَقْسَامُ الْمُنْتَدَى :: بَيْتُ الشُّبُهَاتِ وَالرُّدُودِ-
انتقل الى: