السَّـلَامُ عَلَيْـكُمْ زائِرُنَا الْكَــرِيمُ ، يُشَرِّفُـنَا
أَنْ تَقُومَ بِالتَّسْجِيلِ لِلْمُشَارِكَةِ فِي الْمُنْتَدَى


دَعْوَةٌ إِلَى الْإِصْلاَحِ وَمُرَاجَعَةِ التُّرَاثِ مِنْ أَجْلِ تَصْحِيحِهِ .
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التعامل مع المبتدعة في مقام الدعوة- مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: التعامل مع المبتدعة في مقام الدعوة- مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي   الثلاثاء 24 يناير 2012 - 9:52

مقدمة:
دعوة
أهل البدع إلى الحق وظيفة العلماء، لا يجوز التساهل فيها، أو التقصير في
أدائها، إذ بها تتم حماية الدين وتنقيته من شائبة الباطل.

وعلى من تصدى لدعوة أهل البدع أن يعرف: ما هي الأصول والضوابط التي ينبغي التزامها؟ وما هي المحاذير والمزالق التي ينبغي تجنبها؟
وقبل
البدء في الموضوع، نعرج بشيء من الإيجاز على تعريف المبتدع، والبدعة، وذكر
أنواعها، وخطرها، ثم ذكر حكم المبتدع، وما هو الأصل في التعامل معه؟

البدعة: هي
طريقة في الدِّين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في
التعبد لله سبحانه؛ وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما
يخصها بالعبادات. [((الاعتصام)) (1/21).] وهي ليست على درجة واحدة من
الشر، بل هي متفاوتة.

ويصنف العلماء البدعة من عدة زوايا، فمن حيث مجالها، تنقسم إلى:
- بدعة اعتقادية:
وهي اعتقاد الشيء على خلاف ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم، كبدعة
الخوارج في اعتقادهم تكفير العصاة من المسلمين؛ وكالمجسمة والمشبهة الذين
شبهوا الله بخلقه -تعالى الله علواً كبيراً.

- وبدعة عملية:
وهي التي تكون في المسائل الفقهية القطعية أو الظنية، كالتي تكون في العمل
الظاهر، كصلاة تخالف ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من
الأعمال. وكلها داخلة تحت قوله -صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس
عليه أمرنا فهو رد). [أخرجه مسلم في كتاب الأقضية.]

- وبدعية قولية:
وهي ما كان فيه تغيير لما جاء في كتاب الله عز وجل، ولما ثبت في سنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، كأقوال المبتدعة من الفرق المشهورة، مما هو ظاهر
المخالفة للكتاب والسنة، وظاهر الفساد والقبح، كأقوال الرافضة والخوارج
والجهمية والمعتزلة والأشعرية؛ وجميع الفرق المؤولة، التي وضعت لنفسها
مناهج مخالفة لمنهج الطائفة الناجية المنصورة، الظاهرة على الحق إلى قيام
الساعة.

ومنهم من قسمها إلى نوعين: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، والثاني يتضمن الأول، كما أن الأول يدعو إلى الثاني.
وتُقسم البدعة بحسب ما يؤول إليها صاحبها إلى: بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة.
وربما
تخلف الحكم على المعين بالبدعة رغم قيامه بها إذا توفر مانع أو انتفى شرط؛
فالحكم على العمل أو القول لا يلزم منه تبديع المعين القائل أو العامل به
إلا إذا أقيمت عليه الحجة وتوفرت الشروط وانتفت الموانع.

خطر البدع:
البدعة أشد من المعصية، ويرجع ضررها إلى وجوه:
الأول:
أن البدع مفسدة للقلوب، مزاحمة للسُّنة في إصلاح النفوس، فهي أشبه ما تكون
بالطعام الخبيث، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الشرائع
أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون
بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث). [اقتضاء الصراط المستقيم (1/281).]

فهي
تلبس لباس الدِّين، فيظن المنتسب لها أنها حق وأنه مأجور عليها، وبذلك
فإنه يعقد عليها الكره والحب والولاء والبراء والثواب والعقاب، فتزاحم
السنن، تقود أصحابها إلى الاعتقادات الباطلة، والأعمال الفاسدة، والخروج عن
الشريعة.

الثاني:
أنه في مقابل كل بدعة تهدم سنة، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام أيضاً:
(من أسباب هذه الاعتقادات والأحوال الفاسدة الخروج عن الشِّرعة والمنهاج
الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر
ومظان الكفر، كما أن السنن المشروعة هي مظاهر الإيمان، ومقوية للإيمان،
فإنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية). [مجموع الفتاوى (10/565).] لذا كان
منهج المبتدعة قائما على معارضة نصوص الكتاب والسنة، كما قال شيخ الإسلام.
[راجع كلامه في: درء تعارض العقل والنقل (1/149).]

حكم التعامل مع المبتدع:
المبتدع في الأساس شخص يريد الحق ويقصد التقرب وهذا الغالب في أحوال الكثير من أتباع البدع، يقول الله تعالى: {ثُمَّ
قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ
اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا
كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا
رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ
أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}، [الحديد: 27]
. فالمبتدع مريد للحق لكنه ضل طريقه إليه.

لذا
فإنَّ أهل البدعة قد يظهروا من التنسك أو الأحوال ما يُعبِّر عن اعتقادهم
الحق فيما يؤمنون به؛ ومن أجل ذلك فإن المبتدع -ما لم يكن زنديقا- يحكم له
بالإسلام ويبقى شأنه وحاله أفضل بكثير ممن قصد الكفر البواح أو الشرك
الظاهر. إلا أنه ونظرا لخطورة البدعة على الدِّين نفسه من حيث هو فإن
المبتدع (أخطر) شأنا على الدِّين وأهل الإسلام من الكافر والمشرك، لأن
البدعة تفسد الإسلام وتحرف الناس عن الحق إلى مزالق لتأويله ما يقسمهم شيعا
وأحزابا. وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه عن افتراق اليهود
والنصارى وهذه الأمة إلى مدى تأثير الاختلاف في الدين على وقوع كثير من
الفرق في النار.

لذا
كان من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم حازما وصارما مع من أظهروا الغلو
أو أحوال وأقوال بعيدة عن سنته، وتوعد من اتخذ هذا المسلك وحذر أمته منه.
لا لشيء إلا لكي يظل الحق الذي أنزله الله ناصعا نقيا مما قد يشوبه من
أهواء الناس التي وإن لبت رغبة قوم أو ذائقتهم أو وافقت آراءهم العقلية إلا
أنها لن توافق قوما آخرين؛ أما الحق الذي أنزله الله تعالى فيوافق العقول
السليمة جميعا وذائقة النفوس البشرية كافة ويدور في حدود طاقاتهم وقدراتهم
دون تكلف وتنطع. فكم شوهت البدع -رغم نظر أصحابها إليها بالحسن- الإسلام في
نظر غير المسلمين فصرفتهم إلى باطل وزهدتهم في الحق!

وإذا
كان المبتدع جزءا من الكيان الإسلامي وجسد الأمة فإن حقوق الأخوة
الإيمانية التي قررها الإسلام تظل محفوظة له، متمتعا بكافة الحقوق الشرعية
التي فرضها الإسلام. إلا أن هنا ملحظا مهما وهي أن من طبيعة المجتمعات أن
تتعامل في الجانب المادي من حياتها عند وجود الضرر والأذى من قبل شخص مريض
أو مختل أن يباشروا من التدابير ما يعينهم على إزالة الضرر ورفع الأذى أو
في أقل الأحوال حصرها وبما لا يخل بحق المريض أو المختل في الرعاية، مع
إمكانية تقييد بعض حرياته أو إسقاط بعض حقوقه لمصلحة أكبر؛ هذه الصورة
المادية تقابلها صورة معنوية في حال كان الشخص مجرما أو صاحب خلق سيئ حيث
يأتي عوضا عن الحجر الصحي والعلاج المادي حَجْرٌ من نوع آخر وعلاجٌ من نوع
آخر؛ وهذه السُّنة الاجتماعية لا يغفلها الإسلام في المبتدع، باعتباره شخصا
(مختلا) في جانب (الدِّين) ومن ثمَّ فكما أن للجوانب الأخرى تدابيرها
لصيانتها في حياة المجتمع يكون الدِّين أحق بهذه التدابير.

ومن هنا يأتي الإسلام ليرسم أحكام التعامل مع المبتدع من هذه الزاوية، زاوية أن المقصود من التعامل مع المبتدع أمران:
الأول: معالجة (المبتدع) وإخضاعه للتدابير التي من شأنها تحقيق العلاج لأهدافه.
الثاني: صيانة (المجتمع) من الآثار التي قد تلحق به (دينيا) من البدعة ذاتها فضلا عن المبتدع.
وكما
هي حالات المرض، يتفاوت تقييم الإسلام للبدعة وصاحبها ومن ثمَّ يختلف
تعامل المجتمع الإسلامي مع المبتدع بحسب البدعة ذاتها وبحسب تأثير المبتدع
من جهة أخرى.

ومن أولى أحكام التعامل مع المبتدع:
1- بيان
مخالفته للدِّين بالحجة والبرهان والدليل، وهذا ما سلكه الرسول صلى الله
عليه وسلم مع ذلك الشاب الذي أتى يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في
الزنا!! ومع ذلك الشخص الذي توجه إلى الرسول –عليه الصلاة والسلام- بالقول:
اعدل يا محمد!

2- نصح
المبتدع وإظهار الشفقة به، مع بيان عظم ما وقع فيه وعظم الآثار التي
ستترتب على بدعته؛ وهذا بالفعل ما قام به عبدالله بن عباس رضي الله عنه وهو
يحاور الخوارج ويلزمهم بلازم مذهبهم الذي ذهبوا إليه في شأن الفريقين
المتقاتلين من الصحابة.

3- الوقوف
بصرامة إزاء تحول هذه البدعة إلى مذهب يتلقفه الناس ويتخذونه منهجا؛ لذا
حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من البناء على القبور واتخاذها مساجد
ولعن اليهود والنصارى معرضا بهم كل من يقوم في هذه الأمة بهذه البدعة. كما
واجه الرسول عليه الصلاة والسلام النفر الذين تقالوا عبادته في شأنهم لما
قد غُفِرَ للرسول عليه الصلاة والسلام بالبيان والتحذير والإنكار الشديد.

4- وفي
جميع الأحوال السابقة يبقى للمرء حقوق الإسلام وعليه واجباته لا يسقط منها
شيء، لذا فإنه نادرا ما كان يُقصي الرسول صلى الله عليه وسلم من جاء بأمر
منكر في الدِّين، بل احتمل عليه والصلاة والسلام بقاءهم في المجتمع ولكن مع
إنكاره عليهم وتحذيره مما صنعوا. فقد كان يعلم الرسول الكريم أن للشيطان
مداخله على بعض الصالحين من جهة تشددهم أو فهمهم خطأ للدين أو تعبدهم لله
بما يستحسنونه من حال أو هيئة؛ فإذا لم يُحسن إلى هؤلاء تحولوا إلى أعداء؛
كيف وقد صبر على أعدائه من المشركين وأهل الكتاب ومنافقي المدينة.

5- غير
أن هناك وضعا آخر تتحول معه البدعة إلى مهدد حقيقي للدين أو المجتمع وحدته
وأمنه واستقراره؛ ما يلزم في هذه الحالة معالجة جادة وصارمة لذلك:

أ- إن كانت البدعة مكفرة:
أي أن يحدث المرء من العقائد أو الأفعال أو الأقوال ما يوجب تكفيره، فإن
كان ذلك صادر منه عن جهل أو تأول، بُيِّن له، وروجع في الأمر، وأقيمت عليه
الحجة، واستتيب من قبل ولي الأمر، فإن وجد أن بدعته صادرة عن زندقة وإلحاد
منه عُزر، وإن كان بالقتل. وقتل المبتدع الذي تصل بدعته حدَّ الكفر
والزندقة التي بحيث ينتقد الدين بها عادة متبعة في دول الإسلام؛ ويدل عليه
الوقائع التي وقعت لبعض المبتدعة، كما فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه
بالسبئية حين حرقهم، وكذلك قتل الجعد بن درهم والحلاج وغيرهم. والحاصل:
أن القتل مما يعاقب به صاحب البدعة إذا كانت بدعته مغلَّظة مكفرة واستتيب
ولم يتب، أو رأى أهل الحل والعقد أو الإمام أو من أفتى من العلماء أن هذا
المبتدع يُقتل وإن لم يُستتب.

ب- وإن كانت البدعة مفسقة
لكن لها أثرها على وحدة الأمة وأمنها واستقرارها (كبدعة التكفير عند
الخوارج)، فلا يُكفَّر صاحبها، لكن مقاتلته فيما لو أفسد في الأرض وحمل
السيف واجبة لوأد الفتنة وإخماد ثورتهم، وهذا فعل علي بن أبي طالب رضي الله
عنه مع الخوارج، حيث لم يبادئهم بقتال ولا حكم بكفرهم ولا بنفاقهم ومع ذلك
قاتلهم لما حملوا السيف على المسلمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: التعامل مع المبتدعة في مقام الدعوة- مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي   الثلاثاء 24 يناير 2012 - 9:54

الهجر كعلاج للبدعة:
ومن
بين أهم المعالجات التي شرعها الإسلام في مواجهة بعض الانحرافات -ومن
بينها البدعة- هجر أصحابها، وذلك لتضييق دائرة تأثير أصحابها وقصر مفسدتها
وإظهار المجتمع في موقف الرافض لها ليستفيق صاحبها من غفلته ويعود إلى
رشده.

ومن فوائد الهجر التي قصدها الشارع:
1 - بعث اليقظة في نفوس المسلمين من الوقوع في البدعة وتحذيرهم منها.
2 - تحجيم انتشار البدعة.
3 - إعطاء ضمانة للسنن من شائبة البدع.
4 -
قمع المبتدع وزجره ليضعف عن نشر بدعته. [انظر رسالة (هجر المبتدع)، بكر
بن عبدالله أبو زيد -رحمه الله، إعداد سلمان بن عبدالقادر أبوزيد، بتصرف.].

فمعاشرة
صاحب البدعة ومخالطته فتولد في صاحب البدعة طمأنينة إلى ما هو عليه، وربما
أشعره بقبول المجتمع لبدعته وتزكيته إياها؛ وهذا قد يُغرر بالعامة، إذ أن
العامة غالبا في حال جهلهم لا يفرقون بين السنة والبدعة، وربما استحسنوا ما
استحسنه المبتدع فوقعوا فيما وقع فيه، فلا بد إذاً من الحجر على المبتدع
استصلاحاً للديانة، وأحوال الجماعة، وهو ألزم من الحجر الصحي لاستصلاح
الأبدان.

وبعد
أن نقل الشاطبي -رحمه الله تعالى- بعض الآثار في النهي عن توقير المبتدع،
قال: (فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المشي إليه والتوقير
له تعظيمٌ له لأجل بدعته؛ وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله
بما هو أشد من هذا كالضرب والقتل، فصار توقيره صدوداً عن العمل بشرع
الإسلام، وإقبالاً على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل
به، والعمل بما ينافيه)

[(الاعتصام) (1/85).] .
وعلى كل حال فإن غياب التعامل الصحيح للمبتدع يحيي البدع ويميت السنن، وفي هذا هدم للإسلام بعينه.
أنواع الهجر:
أنواع الهجر ثلاثة:
الأول: الهجر ديانة، أي: الهجر لحق الله تعالى، وهو من عمل أهل التقوى، في هجر السيئة، وهجر فاعلها، مبتدعًا أو عاصيًا.
وهذا النوع من الهجر على قسمين:
1- هجر ترك: بمعنى هجر السيئات، وهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة، قال الله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]، وقال سبحانه: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10]، وقال تعالى: {وَإِذَا
رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا
تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]
، وقال تعالى: {وَقَدْ
نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ
يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140]
، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه))
[أخرجه البخاري في الإيمان.].
2- هجر تعزير:
وهذا من العقوبات الشرعية التبصيرية التي يوقعها المسلم على المبتدعة على
وجه التأديب، في دائرة الضوابط الشرعية للهجر حتى يتوب المبتدع ويفيء.

وهذا النوع بقسميه من أصول الاعتقاد، والأمر فيه أمر إيجاب في أصل الشرع، ومباحثه في كتب السنن والتوحيد والاعتقاد وغيرها.
النوع الثاني:
الهجر لاستصلاح أمر دنيوي، أي الهجر لحق العبد، وفيه جاءت أحاديث الهجر
بما دون ثلاث ليال، رواها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم بأسانيد في
الصحيحين وغيرها، وجميعها تفيد أن الشرع لم يرخص بهذا النوع من الهجر بين
المسلمين إلا بما دون ثلاث ليال. وليس هو مجال حديثنا.

النوع الثالث: الهجر قضاء، وهو من العقوبات التعزيرية للمعتدين، وهذا يبحثه الفقهاء في باب التعزير. [من رسالة (هجر المبتدع)، مرجع سابق، بتصرف].
وجعل شيخ الإسلام -رحمه الله- أنواع الهجر في الشرع قسمين، فقال:
(الهجر الشرعي نوعان:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات.
والثاني: بمعنى العقوبة عليها.
فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: {وَإِذَا
رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا
تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]
،..
فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس
عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك...

النوع الثاني:
الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها،
كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل
الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر) [((مجموع
الفتاوى)) (28/20)].

صفات الهجر:
الأصل
في الهجر هو الإعراض عن المبتدع والبراءة منه. ومن مفرداته تركُ: مجالسته،
ومجاورته، وتوقيره، ومكالمته، والسلام عليه، والتسمية له، وبسط الوجه له،
وسماع كلامه، ومشاورته.. كل ذلك بقصد إصلاحه إذا عُلم تحقق ذلك؛ أما إذا
عُلم فساد حاله أكثر أو تضييع مصلحة المسلمين فتقدر الأمور بقدرها.

وللهجر الشرعي ضوابط، منها:
1-
لا بد أن يؤدي هذا الهجر إلى الهدف الذي شرع من أجله، وهو الإقلاع عن هذه
البدعة، وإلى عدم فعل ما يشبهها من قبله، أو من قبل غيره، أما إذا كان
المبتدع لا يزيده الهجر إلا تمادياً في السوء، وركوناً إلى أهل السوء، أو
غير ذلك من المفاسد فإنه لا يهجر.

فالمؤمن كالطبيب إذا رأى العلاج نافعاً فعله؛ لأن الهجر من باب العلاج،فإنكان
الهجر يؤثر خيراً وينفع هُجر، وكان ذلك من باب العلاج لعله يتوب ويرجع عن
خطئه إذا رأى من إخوانه أنهم يهجرونه، أما إذا كان الهجر يسبب مزيداً من
الشر وكثرة أهل الشر وتعاونهم فإنه لا يهجر، ولكن يديم له النصح والتوجيه
وإظهار الكراهة لما عمل، ولا يبين له
موافقته على باطله، ولكن يستمر في النصيحةوالتوجيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم
وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به -يعني الهجر- زجر المهجور وتأديبه،
ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره
إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولاغيره يرتدع بذلك،
بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع
الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع
من التأليف... وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل،
ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع -كما كثر القدَر في
البصرة والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة- وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين
الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق
إليه) [((مجموع الفتاوى)) (28/203)].

ولو
أن طالب علم مثلاً ذهب إلى أهله في بادية بعيدة وخاصة التي يغلبُ عليها
البدع، فوجدهم يفعلون ما يفعلون من البدع، فقال: أنا أعرف أن من أصول أهل
السنة والجماعة هجر أهل البدع فلنهجرهم، فإنه لن يدع أحداً إلا هجره؛ لأن
الناس ألفوا هذه البدع وعاشوا عليها، فيصير هو المنكر المهجور؛ لأن الهاجر
في هذه الحالة ضعيف والمصلحة لا تتحقق، والمشكلة ليست في عدم قيام طالب
العلم بالإنكار أو عدم هجره لأهل البدع، ولكن المشكلة أن المصلحة الشرعية
غير حاصلة. [
من رسالة (هجر المبتدع)، مرجع سابق، بتصرف.]
2-
الهجر الشرعي عبادة من جنس الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
والعبادة لا بد من توفر ركنيها: الإخلاص، والمتابعة، أي بأن يكون الهجر
خالصاً صواباً، خالصاً لله صواباً وفق السنة، وإن هوى النفس ينقض ركنية
الإخلاص، كما أن ركن المتابعة ينقضه عدم موافقة الهجر للمأمور به.

3-
هجر المبتدع ليس عاماً في كل حال ومن كل إنسان ولكل مبتدع، كما أن ترك
الهجر والإعراض عنه بالكلية، تفريط، وهجر لهذا الواجب الشرعي المعلوم وجوبه
بالنص والإجماع، وإن مشروعية الهجر هي في دائرة ضوابطه الشرعية المبنية
على رعاية المصالح ودرء المفاسد، وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها،
واختلاف مبتدعها، واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف،
والقلة والكثرة، فلا بد من مراعاة كل هذا.

يتبع .......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
التعامل مع المبتدعة في مقام الدعوة- مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: أَقْسَامُ الْمُنْتَدَى :: التَّحْذِيرُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْتَشِرَةِ-
انتقل الى: