السَّـلَامُ عَلَيْـكُمْ زائِرُنَا الْكَــرِيمُ ، يُشَرِّفُـنَا
أَنْ تَقُومَ بِالتَّسْجِيلِ لِلْمُشَارِكَةِ فِي الْمُنْتَدَى


دَعْوَةٌ إِلَى الْإِصْلاَحِ وَمُرَاجَعَةِ التُّرَاثِ مِنْ أَجْلِ تَصْحِيحِهِ .
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 6:31

يتضح للمهتمين بكتب السلف في أصول الدين ، والذين لهم
تمرس بها ، منهج أئمة السلف - رحمهم الله - في دراسة مسائل العقيدة ،
ومناقشات المخالفين والرد عليهم ، وقد رأيت مناسبة ختم هذه الرسالة بإِيراد
أهم القواعد والأسس في ذلك المنهج ، وهي منقولة من مقدمة كتاب " شرح
العقيدة الطحاوية " لابن أبي العز (1) ، أرجو أن يكون فيها فائدة للمهتمين
بهذا الموضوع .
1 - القرآن مصدر الأدلة النقلية والعقلية :
تَضَمَّن القرآن الدعوةَ إِلى توحيد الله ، وبَثَّ في الأنفس والآفاق دلائل
التوحيد ، ولَفَتَ نَظَرَ الإِنسان إليها ، وحَثَّه على النظرِ والتفكير
فيها ، وبَيَّنَ بالبراهين العقلية إثباتَ صفاته ، وصدقَ رُسُلِه ، وأمْرَ
المعاد ، وغيرَ ذلك من أصول الدين ، وأجاب عن مُعارضَةِ المشركين ، وكَشَفَ
شُبَهَهُم ، ونَقَضَ أقوالهم ، وفَنَّد مزاعمهم .
وهذه الأدلة شرعيةٌ ، لأن الشرعَ دلَّ عليها ، وأرشد إليها .
وعقليةٌ ، لأنها تُعْلَمُ صحتُها بالعقل .

فإِذا
أخبر الله بالشيء ، ودَلَّ عليه بالدلالات العقلية ، صار مدلولًا عليه
بخبره ، ومدلولًا عليه بالدليل العقلي الذي يُعْلَمُ به ، فيصير ثابتًا
بالسمع والعقل ، وكلاهما دَاخِلٌ في دلالةِ القرآن التي تُسمى الدلالةَ
الشرعية .
ونقدُ السلف لعلم الكلام ، لم يصدر عن انتقادهم المنهج العقلي ، ولكنَّهم
فَضَّلُوا المقاييس الشرعية ، لأنها عقلية أيضًا ، وهي أبلغُ وأكملُ من
أدلة المتكلمين ، مع تنزهها عن الأغاليط التي تشتمل عليها أدلتهم .
وقد جاءت هذه الأدلةُ بأسلوبٍ باهر متدفِّقٍ بالحيوية ، وضربِ الأمثلة
المستمدة من حياةِ الإِنسان ، وما يُحيط به مهما اختلف جنسُه ، أو بيئتُه ،
أو عصرُه ، فهي أبلغُ من كل أُسلوبٍ ، وأشدُّ تأثيرًا في النفس من أيِّ
أسلوب آخر ، وفيها مجالٌ واسعٌ للعقل يقضي فيها رغبتَه ، ويُشْبعُ نهمتَه ،
مع ضمانِ السير في المسارِ الصحيح دونَ تعثر أو انحِرَاف .
وقد أعَدَّ الله العقولَ بصفة عامة لإِدراك ما هو مطلوب شرعا ، وأعدّ لها
ما يُسدِّدُها فيه من الفطرة التي لم تُفْسِدْهَا الأهواء ، والآياتِ
الظاهرِة في الأنْفُسِ والآفاقِ ، ثم أكمل بالشرع المتمثِّلِ بالكتاب
وناطقِ السنة .

وقد اكتفى السلفُ
الصالحُ بالقرآن الكريم إِلى جانب السنة في اتخاذه دليلًا وهاديا ، وقد
استنبطوا من آياته قواعدَ النظر العقلي ، فكانوا من أقدر الناس على توضيح
مسائل الاعتقاد ، وتوثيقها بالحجة والبرهان والإِجابة عن كل تساؤل أو تشكيك
في الاعتقاد .
_________
(1) « شرح العقيدة الطحاوية » ص ( 14 - 34 ) الطبعة الأولى ( 1048 هـ ) ،
تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي ، والشيخ شعيب الأرنؤوط .


عدل سابقا من قبل Admin في الأحد 4 مارس 2012 - 6:34 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 6:33

2 - اتباع السلف الصالح في تفسير النصوص :
ونعني بالسلف الصالح ، الصحابةَ والتابعين مِنْ أهل القرون الثلاثة
الممتدحة الذين يَتقيَّدونَ بالكتاب والسنةِ نصا ورُوحًا ، دُونَ مَنْ وصف
بالبدعة ، كالخوارج ، والقدرية ، والمعتزلة ، وغيرهم منَ الفِرَق .
وإِنما يُؤخذُ برأيهم ، ويُعتَدُّ به ، لكونهم أبَرَّ قلوبًا ، وأعمقَ
علمًا ، وأقل تكلّفًا ، وأقربَ إِلى التوفيق ، لما خَصَّهم الله به من
توقّدِ الأذهانِ ، وسَعَةِ العلم ، وقوةِ الإِدراك ، وحسنِ القصدِ ، وتَقوى
الله ، وقُرب العهد بنور النبَّوِة ، فكانت طريقتُهم لذلك ، هي الطريقة
المحمودة ، وطريقة غيرهم لا تُساويهم ، ولا تدنو منهم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 6:35

3 - الإيمان بمسائل الغيب محصور في الخبر الصادق :
إِن المسائل التي لا يتناوَلها الحِسّ ، ولا مَحَلَّ فيها للتَّجربَةِ ،
وليس ثمة مقدماتٌ عقلية يَصِلُ بها العقل إِلى معرفة واقعها ، كمسائل الغيب
، يَنحصِر مَصدَرُ العلم بها في خصوص الخبر الصادق المؤيَّد بالمعجزات
الواصِلِ إِلى الناس مِن عالِمِ الغيب ، ومُبْدع الأكوان والمخلوقات .
فما أخبرَ الله عنه أو رسولُه من شؤون الغيب ، نؤمِنُ به على القدر الذي
أخبرَ الله به أو رسولُه دونَ صرفِ اللفظ عن معناه ، ودونَ زيادة عمَّا
تضمَّنَهُ الخبرُ الصادق ، ودونَ استبعاد أو إِنكارٍ .
وَمِن التكلّفِ المنهيِّ عنه ، البحثُ في أمور غيبية وَرَدَ الشرعُ
بالإِيمانِ بها مع تَرك كيفيتِها . ومنها ما لا يكونُ له شاهد في عالم الحس
، كالسؤال عن وقت الساعة ، وعن الروح ، وعن مُدَّةِ هذه الأمة ، إِلى
أمثال ذلك مما لا يُعلمُ إِلا بالنقل الصِّرف ، فهذا النوع يجبُ الإِيمانُ
به من غير بحثٍ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 6:38

4 - تقسيم التوحيد إلى توحيد الرُّبوبية ، وتوحيد الألوهية ، ووجوب التّصديق بها :
التوحيدُ عند السلف نوعان :
الأول : توحيدُ الربوبية : وهو الاعتقادُ بأن ربَّ العالَم وخالقه واحدٌ
وليس اثنين ، وهو الربّ سبحانه الذي جُبلت الفِطَرُ السليمةُ على الإِقرار
به ، والخضوع له ، والإِيمان بما له من الأسماء والصفات على وفق ما جاء في
الكتاب والسنّة ، فتوحيد الأسماء والصفات داخل في توحيد الربوبية عند
الإِجمال ، وأما عند التفصيل فيكون قسمًا ثالثًا ، خصوصًا إِذا قصد الرد
على من يُقر بالربوبية وينكر الصفات ، كالجهميَّة والمعتزلة .
الثاني : توحيد الألوهية : ومعناه : أن يُعبَدَ الله وحدَه ، ويكفر بعبادة
ما سواه ، وبهذا النوع يتحقَّقُ معنى كلمة التوحيد : " لا إِله إِلا الله "
.
وهذا النوع من التوحيد ، هو دعوة كل رسول إلى قومه منْ لَدُنْ آدم إِلى
محمدٍ عليه الصلاة والسَّلامُ ، ومِنْ أجله خَلَقَ الله الخلقَ ، وجَعَلَ
الجنةَ والنارَ ، وفَرَّقَ الناس إِلى شقي وسعيدٍ ، ولا يُقبلُ إِيمانُ
المرءِ إِلا بالإِقرارِ به قولًا وعملا وهو يَتَضَمَّنُ توحيدَ الربوبية .

وقد
عُنِيَ القرآنِ بتقريرِ هذا النوع من التوحيد ، والبرهنة عليه بالأدِلَّةِ
العقلية والبراهين الصحيحة ، لأن الشِّرْكَ الذي وَقَعَ في جميع الأمم كان
في هذا النوع ، فإن عامة مشركي الأمم كانوا مُقِرِّينَ بربوبيته سبحانه ،
ولكنهم مع إِقرارِهم بربوبيته قد أشْرَكُوا بعبادتِه غَيْرَهُ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 6:45

5 - إثبات الأسماء والصفات مع الإقرار بمعناها وعدم التعرض لكيفيتها :
تُعَدُّ مسألةُ الصفات من أجلِّ وأعظم ما تُكُلِّمَ فيه من أصول الاعتقاد ،
وقد اضطَرَبَتْ فيها أقوالُ الفلاسفة والمتكلِّمين ، فمنهم مَنْ قال
بالنفي المَحْضِ ، ومنهم من أقرَّ بأسماء الله في الجملة ونَفَى الصفات ،
ومنهم من أقر بالأسماء والصفات ، لكنه رَدَّ طائفةً منها ، وتأوَّلَها ،
وصَرَفَها عن ظاهرها .
ومَذْهَبُ السلف في هذه المسألة : هو الإِيمانُ بكل ما وَرَدَ في كتاب الله
وناطِقِ السنة من الأسماء والصفات من غير زيادة عليها ، ولا نُقصانٍ منها ،
ولا تجاوُزٍ لها ، ولا تأويلٍ لها بما يُخالِفُ ظاهرهَا ، وقدِ انقضى
عَصْرُ الصحابة والتابعين من السلف والأئمة على التسليم المُطْلَقِ بما
جاءَ في الكتاب والسنة عن الذاتِ الإِلهية وصفاتها ، ولم يتنازَعُوا في
مسألةٍ واحدةٍ من مسائل الأسماءِ والأفعالِ ، بل كلُّهم على إِثبات ما
نَطَقَ به الكتابُ والسنة ، كَلِمَتُهم واحدةٌ من أولِهم إِلى آخرهم ، لم
يَسُومُوها تأويلًا ، ولم يُحَرِّفوها عن مواضعها تبديلًا .

وهم
يعتقدون أن أسماء الله تعالى وصفاته تَوقيفيَّةٌ ، لا يجوزُ إِطلاقُ شيءٍ
منها على الله في الإِثبات أو النَّفي إِلا بإِذنِ الشرع ، فلا يُثْبتونَ
له سبحانه من الأسماء والصفات إلا ما أثبَتَهُ هو لنفسه ، أو أثبَتَه له
رسولُه صلى الله عليه وسلم ، وأنَّ كل ما ثبتَ له من الأسماء والصفات لا
يماثِل شيئًا من خلقه ، ولا يُماثلُه شيءٌ ، بل كل ما ثبتَ له من صفات
الكمَال التي وَردَت في النصوص الصريحة ، فهو مُختص به لا يَشْرَكُهُ فيه
أحدٌ من خلقه ، وإِذا كان هناك من الأسماء ما يُطْلَقُ على صفاتِ الله كما
يُطْلَقُ على صفات خَلْقه ، فإن هذا ليس إِلا مَحْضَ اشتراكٍ في الاسم
والمعنى العام ، فلا يَلْزَمُ من اتفاقِهما في مسمَّى الصفة ومعناها العام
اتفاقُهما في حقيقة الصفة ، فإِذا كانت ذاتُه سبحانه لا تُمَاثِلُ الذوات ،
فكذلك صفاتُه لا تماثِلُ الصفاتِ ، لأنه سبحانه لا تُضْرَب له الأمثالُ
بخَلقِه لا في ذاته ، ولا في صفاته .

ولم
يَقُلْ أحدٌ منهم : إِن آيات الصفات لا يَعْلَمُ معناها إِلا الله ، بدليل
أنهم كانوا يثبتون لله ما تضمنته من صفات ، ولو كان معنى الآيات والأحاديث
غير مفهوم لهم ألبَتَّة ، لما صَحَّ منهم الإثباتُ ، إِذ كيف يثبتَون
شيئًا لا يُعْقَل معناه ، غايةُ الأمر أنهم لم يكونوا يبحثُون وراءَ هذه
الظواهر عن كُنْهِ هذه الصفات ، أو عن كيفية قيامِها بذاته تعالى ، لأنَّ
معرفةَ ذلك فوقَ مستوى العقل البشري ، وهو من الغيب الذي استأثَر الله
بعلمِه ، فهو سبحانه أجلُّ من أن يُدرَكَ كُنْهُ ذاته وصفاته ، أو يحاطَ
بها علمًا : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [
الشورى : 11 ] .
وبهذا يُعلَمُ أنّ السلف الصالح كانوا أكثرَ فطنةً ، وأحد ذكاءً من أصحاب
الفِرَق ، لأنهم عَرَفُوا أنه لا سبيل إِلى إِدراك كُنْه الصفات بالعقل ،
لأنه من شؤون الغيب التي لا تدخل في نطاقِ قُدرته .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 6:51

6 - الجمع بين الإثبات والتنزيه :

فإِنَّ القرآن جمع فيما وَرَدَ فيه عن الصفات بينَ الإِثباتِ والتنزيه في
آية واحدة حين قال : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ } [ الشورى : 11 ] ، فالله سميع بصير ، ولا يُشْبِهُهُ أحد من
خلقه ، مع أنهم يسمعون ويبصرون ، وكذا في بقية الصفات ، لأن التماثلَ في
الصفات فرعٌ عن التماثل في الذواتِ ، والذاتان هنا مختلفتان تمامًا ، فكذا
صفاتُهما .
فتسميتُه تعالى قادرًا وتسمية العبد قادرًا لا تُوجبُ مماثلة قدرة الله
لِقُدْرَة العبد ، وكذا تسميتُه عالمًا ، ومُريدًا ، وحيًّا ، وسميعًا ،
وبصيرًا ، ومتكلمًا ، مع تسمية عباده بهذه الأسماء لا يَستلزمُ أنَّ
علمَهُم كعلمِه ، ولا إِرادتهم كإِرادتِهِ ، ولا حياتَهم كحياتِه .
وما يوجد في الخارج من الأسماء لا يوجد مطلقا كليًّا ، وإِنما يُوجد معينًا
مختصًا ، وهذه الأسماء إِذا سمُي الله بها ، كان مُسمَّاه معينًا مختصًا
به ، وإِذا سُمِّيَ بها العبد ، كان مسمّاه معيِنًا مختصًا به ، فما يُوصف
الله به ، ويُوصَفُ به العبادُ ، يوصفُ الله به على ما يليقُ به ، ويُوصَفُ
العبادُ على ما يَليقُ بهم من ذلك .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 6:55

7 - رفض التأويل الكلامي :
إِن التأويل عند المتكلمين عامةً يقتضي اتخاذَ العقل أصلًا في التفسير
مقدمًا على الشرع ، فإِذا ظَهَرَ تعارض بينهما ، فينبغي تأويلُ النصوص إِلى
ما يُوافِقُ مقتضى العقل ، كتأويل أدلة الرؤية ، وأدلة العلو ، وآيات
الصفات ، وما إِلى ذلك ، والسلفُ يرفُضُون هذا النوع من التأويل ،
ويُخَطِّئُون القائل به ، ويَشْتَدُّونَ في النكير عليه ، لأنه يُفْضِي إلى
تعطيل النصوص ، والتجاوز بها إِلى معانٍ وآراء مدخولة ، تستهدفُ هدمَ
الشريعة ، وإِضلالَ معتَقِدِيها ، وبلبلةَ مَا استقرَّ في قلوبهم ،
وامتَزَجَ بنفوسهم من عقائد واضحة لا لَبْسَ فيها ، ولا شائبة من غموضٍ ،
والتأويل الصحيحَ المقبولُ عندهم هو الذي يُوافق ما دَلَّتْ عليه النصوصُ ،
وجاءَتْ به السنةُ ، وغيرُه هو الفاسدُ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 6:58

8 - تقييد العقل وعدَمُ الاعتداد به في غير مجاله :

إِنَّ العقل وسيلةٌ محدودة من وسائل المعرفة ، لا يُدرك غير الأمور
المحسوسة على سبيل التّيَقُّن ، ويدرك الأمور الغيبية على سبيل فهم المعنى
فقط ، دون الكيفية ، فالسلف يؤمنون بإِثبات ما أخبر به النص في ما يتعلق
بالأمور الغيبية ، ويصدقون به ، ولا يتعرضون للبحث في كيفيته ، لأن ذلك مما
يعز على العقل مَرَامُه .
وليس عدم الاعتداد بالعقل فيما لا يدخل في مجاله إلغاء للعقل بالكلية ، فقد
أجمع المسلمون على أنه لا تكليف على صبيٍّ ولا مجنون ، وأنه لا بُدَّ من
نظر العقل ، ولذلك أمر الله بتدبر كتابه ، ولا يمكن أن يتحقق هذا التدبر
إِلا بالعقل ، وإِنما الممنوع أن يستخدم العقل في غير موضعه ، أو أن يخضع
في الاستدلال لمنهجِ يخالف المنهج الذي جاء في القرآن والسنة .

فهم
لا يُعلُونَ من شأن العقل ، ولا يُغالون في أحكامه ، ولا يحكمون باستقلاله
وكفايته ، وإِنما يضعونه في موضعه اللائق به ، فَيستَعملونَه في نطاق
قُدَرتِه وإِمكاناته في النظر في ملكوت السمَّاوَات والأرَض ، وفي الاجتهاد
فيَ القضايا العملية ، وفي اكتشافِ العلومِ المادِّيَّة ، التي تهدفُ إِلى
ترقية المجتمع وتطويرِه ، وهذا من تمام علمهم ، وبُعْد نظرِهم ، وسلامةِ
تفكيرهم ، ولو كان العقل يفسَّرُ بواسطتهَ كُلّ الأشياء ، لما كان هناك
حاجةٌ إِلى إِرسال الرسل ، وإِنزال الكتب السماوية .
يقول ابن خلدون في " مقدمته " (1)
" العقلُ ميزان صحيحٌ ، فأحكامُه يقينيّةٌ لا كَذِب فيها ، غير أنك لا
تَطْمُعُ أن تَزِنَ به أمورَ التوحيد ، والآخرة ، وحقيقة النبوة ، وحقائِقَ
الصفات الإِلهية ، وكلَّ ما وراءَ طًوره ، فإنِ ذلك طمعٌ في محال ، ومثال
ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب ، فطمع أن يزن به الجبال ،
وهذا لا يدل على أن الميزان في أحكامه غير صادق ، لكن العقل قد يقف عنده ،
ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته ، فإِنه ذرة من ذرات
الوجود الحاصل منه " .
ويقول السرهندي : (2)

"
إِن طور النبوة وراء العقل والتفكير ، فالحقائق التي يعجز العقل عن
إِدراكها ، تأتي النبوة لتثبيتها وتحققها ولو كان العقل كافيًا وحده ، لما
بعث الأنبياء صلوات الله وتسليماته عليهم أجمعين ، ولما ربط عذاب الآخرة
ببعثتهم :
{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإِسراء : 15 ] .
والعقلُ حجةٌ ، ولكنه ليس بحجةِ بالغة ، وليس في حجته بكامل ، وقد تحققت
الحجة البَالغة ببعثة الأنبياء والرسل عليهم الصلوات والتسليم ، فقطعت
ألسنة المكلفين ، وقضت على معاذيرهم ، يقول الله تعالى :
{ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى
اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [
النساء : 165 ] .
ولما ثبت عجز العقل وقصوره في بعض القضايا ، فليس من المستحسن أن توزن جميع
الأحكام الشرعية في ميزان العقل ، وإن محاولة التطبيق بين العقل وبين
الأحكام الشرعية بصفة دائمة ، والتزام ذلك ، والتقيد به ، حكم بكفاية العقل
وغناه ، وإنكارٌ للنبوة . أعاذنا الله تعالى منه " .
ويقول أيضًا :" إِن إِخضاع أخبار الأنبياء الصادقة للطريقة العقلية للبحث
والتأمل ، والتحقيق والتوفيق بينهما ، إِنكار في الحقيقة للنبوة ،
فالاعتماد في هذه القضايا التي هي وراء طور العقل على الاتباع الكامل ،
والإِيمان الصادق بالأنبياء عليهم الصلوات والتسليمات من غير طلب الدليل
والبرهان .
ولا يظن ظان أن طريقة النبوة تعارض طريق العقل ، لا ، بل إِن طريق العقل ،
وهو النظر والاستدلال ، لا يؤدِّي بدون تقليد الأنبياء واتباعهم إِلى هذا
المقصِد الرفيع ، المعارضة شيء ، والعجز والقصور شيء آخر ، لأن المعارضة لا
تتصور إِلا بعد القدرة والتمكن " .
_________
(1) الصفحة : ( 364 - 365 ) .
(2) في الرسالة رقم ( 36 ) المجموعة الثالثة .


عدل سابقا من قبل Admin في الأحد 4 مارس 2012 - 7:01 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 7:00

9 - الأخذ بقياس الأوْلى (1) في الإثبات والنفي في حقه سبحانه :
فإِن لله المثل الأعلى ، وقد أثبت الله تعالى ذلك لنفسه في ثلاثة مواضع من القرآن :
أحدها : قوله تعالى : { لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ
السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [
النحل : 60 ] .
الثاني : قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ
يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ الروم : 27 ] .
الثالث : قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [ الشورى : 11 ] .
فقياس الأوْلى : هو طريق إِثبات الكمال لله ، فما كان كمالًا لغيره ، فهو أحق به منه ، لأن له المثل الأعلى في كل كمال لا نقص فيه .
والكمال والنقص هما قطب الرحى في موقف السلف من الصفات نفيًا وإِثباتًا .
فكل ما تضمن كمالًا لا نقص فيه ، فالله أحق به .
وكل ما كان نقصًا من صفات المخلوقين ، أو كان كمالًا متضمنا لنقص بوجه من
الوجوه ، فالله أولى بأن يُنزَّه عنه ، كالنوم والولد والأكل .

ومعنى
الكمال والنقص ، يجب أن يؤخذ من الشرع ، حتى لا نصفه بما قد يظن أنه كمال
في حقه بالمقايسة على المخلوقين ، وهو ليس كمالًا بالنسبة له سبحانه .
فما سكت عنه الشرع نفيًا وإِثباتًا ، ولم يكن في العقل ما يثبته أو ينفيه ،
سكتنا عنه ، ونثبت ما علمنا ثبوته من ذلك ، وننفي ما علمنا نفيه .
_________
(1) ويسمى عند الأصوليين : القياس الجلي ، وهو ما يكون الفرع أولى من الأصل
بالحكم ، لوضوح العلة وظهورها فيه ، كتحريم الضرب للوالدين ، قياسًا على
تحريم التأفيف ، وأما قياس التمثيل والشمول ؛ فالأول : إلحاق الشيء بنظيره ،
والثاني : إدخال الشيء تحت حكم المعنى العام الذي يشمله . « الوجيز في
أصول التشريع الإسلامي » : ( 373 ) ، « أصول مذهب الإمام أحمد » : ( 613 ،
643 ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 7:11

10 - تحديد الألفاظ المتنازع عليها وتعيين مدلولاتها :

لقد اشتدت عناية السلف في تحديد الألفاظ ، وتعيين مدلولاتها ، لأن كثيرًا
من الفرق يحتجون بألفاظ متشابهة مجملة يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة ،
وتلك الألفاظ قد وردت في الكتاب ، والسنة ، وكلام الناس بمعانٍ أُخر غير
المعاني التي قصدوها هم بها ، فمثلًا التوحيد عند المتكلمين : هو الإِقرار
بأن الله واحد في ذاته لا قسيم له ، وواحدٌ في صفاته لا شبيه له ، وواحد في
أفعاله لا شريك له .

وهذا التعريف لا يتعدى توحيد الربوبية .

والتوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، هو إِثبات الإلهية لله
وحده ، بأَن يشهد أن لا إِله إِلا الله ، ولا يعبد إِلا إِياه ، ولا يتوكل
إِلا عليه ، ولا يوالي إلِا له ، ولا يُعادي إِلاَ فيه ، ولا يعملَ إِلاَ
لأجلِه .

وذلك يتضمن توحيد الربوبية ويتضمن ما أثبته لنفسه .

والألفاظُ نوعان : نوعٌ جاء به الكتاب والسنة ، فيجب على كلِّ مؤمن أن
يقِرَّ بموجب ذلك ، فيثبت ما أثبته الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن
تمام العلم أن يَبْحَثَ عن مرادِ رسوله بها ، ليُثبتَ ما أَثْبَتَه ، وينفي
ما نفاه من المعاني .

وأما الألفاظُ التي ليست في الكتاب والسنة ، ولا اتفق السلف على إِثباتها
ونفيها ، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن
مراده ، فإِن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول ، أقر به ، وإِن أراد بها
معنى يخالف خبر الرسول ، أنكره .

يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (1) - رحمه الله - :

" وإِذا كان المتكلم في مقام الإِجابة لمن عارضه بالعقل ، وادعى أن العقل
يعارض النصوص ، فإِنه قد يحتاج إِلى حل شبهته ، وبيان بطلانها ، فإِذا أخذ
النافي يذكر ألفاظا مجملة ، مثل أن يقول : لو كان استوى على العرش لكان
جسمًا أو مركَّبًا ، وهو منزَّهٌ عن ذلك ، ولو خَلَقَ واستوى ، وأتى لفصل
القضاء ، لكانت تحُلُّة الحوادثُ وهو منزَّهٌ عن ذلك ، ولو قامت به الصفات
لحلَّته الأعراض وهو منزَّهٌ عن ذلك .

فهنا يستفصلُ السائل ويقول له : ماذا تريد بهذه الألفاظ المُجملة ؟

فإِن أراد بها حقًا وباطلًا ، قُبِلَ الحقُّ ، ورُدَّ الباطل ، مثل أن يقول
: أنا أريد بنفي الجسم نفيَ قيامه بنفسه ، وقيام الصفات به ، ونفي كونِه
مركبًا ، فنقول : هو قائم بنفسه ، وله صفات قائمة به ، وأنتَ إِذا سَمَّيتَ
هذا تجسيمًا ، لم يَجُز أن أدَعَ الحق الذي دل عليه صحيح المنقول ، وصريح
المعقول ، لأجل تسميتك أنت له بهذا .

وأما قولك : " ليس مركَّبًا " ، فإن أردتَ به أنه سبحانه رَكَّبَهُ مركِّب ،
أو كان متفرِّقًا ، فَتَركَّب ، وأنه يمكنُ تفرُّقُه وانفصالُه ، فالله
تعالى منزَّهٌ عن ذلك ، وإِن أردت أنه موصوفٌ بالصفات مباينٌ للمخلوقات ،
فهذا المعنى حقٌ ، ولا يجوز رده لأجل تسميتك له مركَّبًا ، فهذا ونحوه مما
يجاب به " .

ويقول أيضًا :

" فليس لأحدٍ أن يقول : إِن الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعان ، ثم
يريد أن يفسر مراد الله بتلك المعاني ، هذا من فعل المفترين ، فإِن هؤلاء
عمدوا إِلى المعاني ، وظنوها ثابتة ، فجعلوها هي معنى الواحد ، والوجوب ،
والغنى ، والقدم ، ونفي المثل .

ثم عمدوا إِلى ما جاء في القرآن من تسمية الله تعالى بأنه أحدٌ وواحدٌ ،
ونحو ذلك من نفي المثل والكُفْءِ ، فقالوا : هذا يَدُلّ على المعاني التي
سميناها بهذه الأسماء ، وهذا من أعظم الافتراءِ على الله " (2) .


________



(1) « درء تعارض العقل والنقل » لابن تيمية : ( 1 / 238 - 239 ) .

(2) « مجموعة الفتاوى لابن تيمية » : ( 6 / 111 ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 7:16

11 - تحديد معنى المتشابه وبيان أن القرآن كله واضح يمكن تفسيره :

المُحْكَمُ أقسامٌ ثلاثة ، ويقابل كلَّ واحد منها نوعٌ من المتشابه :

فالإِحكام تارة يكون في التنزيل ، ويقابله ما يلقيه الشيطان مما نسخَهُ الله وأزالَهُ .

وتارةً يكون في إِبقاء التنزيل ، ويقابلُهُ المنسوخُ الذي هو رَفع ما شُرعَ .

وتارةً يكونُ في التأويل ، ومعناه تمييز الحقيقةِ المقصودة حتى لا تَشتَبهَ
بغيرها ، ويُقابلُها الآياتُ المتشابهات ، أي : التي تشبه هذا ، وتشبه ذاك
، فتكون محتملة للمعنيين . قال الإِمام أحمد (1) :

" المحكَمُ : الذي ليس فيه اختلافٌ ، والمتشابه : الذي يكون في موضعِ كذا ، وفي موضعِ كذا " .

والتشابه أمرٌ نسبي إِضافي ، فقد يَشْتَبِهُ على إِنسان ، ما لا يَشتبِهُ
على غيره ، وقد يكون في القرآن آياتٌ كثيرة لا يَعْلَمُ معناها كثيرٌ من
العلماء ، فضلًا عن غيرهم ، وليس ذلك في آية معينة ، بل قد يُشكِلُ على هذا
ما يَعْرِفُه ذلك ، وذلك تارة قد يكون لغرابة في اللفظ ، وتارة لاشتباه
المعنى بغيره ، وتارة لشبهَةٍ في نفس الإِنسان تَمنَعُه من معرفة الحق ،
وتارة لعدم التدبّر التام ، وتارة لغير ذلك من الأسباب ، ولكن ذلك لا يعني
أن معرفة المعنى المقصود من هذه الآيات مستحيلٌ لا يمكن دركُهُ كما يدَّعي
ذلك من يدَّعيه مِن المتكلمين .

ولفظُ التأويل في عُرْف السَّلَف له معنيان :

أحدهما : تفسير الكلاَم وبيانُ معناه ، سواءٌ أوافقَ ظاهره أو خالَفه ،
فيكون التأويل والتفسير بهذا المعنى متقاربين أو مترادفين ، وهذا هو الذي
عَنَاه مجاهد حينما قال : إِنَّ العلماء يعلمون تأويله .

ومحمد بن جرير الطبري يقول في " تفسيره " : القولُ في تأويل قوله كذا وكذا ،
واختلف أهلُ التأويل في هذه الآية ونحو ذلك ، ومرادُه التفسير ، والقرآن
كله بهذا المعنى ، محكمه ومتشابهه يمكن تأويله ، ليس فيه شيء لا يفقه معناه
، ورسول الله لم يمُتْ حتى كان صحابتُه على علم تام بجميع معاني الآيات
القرآنية ، والأحاديث النبوية .

قال مجاهد : عَرَضْتُ المصحف على ابن عباس من فاتحته إِلى خاتمته أقِفُ عند كُلِّ آية أَسأَلهُ عنها .

وقال ابنُ مسعود : ما في كتاب الله آيةٌ إِلاَ وأنا أعلم فيم أنِزلَتْ .

وقال الحسن : ما أَنزَلَ الله آيةً إِلا وهو يُحِبُّ أن يُعْلَمَ ما أراد بها .

ولهذا كانوا يجعلون القرآن محيطًا بكل ما يُطلب من علم الدين ، كما قال
مسروق ، ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمُهُ في القرآن ، ولكن عِلْمُنا
قَصَرَعنه .

ويعارضون من يقول : إِن التشابه يكون في معنى اللفظ بحيث لا يَعْلَمُ
المراد به إِلا الله تعالى ، ويَرَوْنَ أن لازم هذا القول أن الله أنزل على
نبيِّه كلامًا لم يكن يَفهم معناه لا هو ولا جبريل ولا غيرهما ، وهذا قدحٌ
في النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي القرآن ، إِذ كان الله أنزل القرآن ،
وأخبر أنه جعله بيانًا وهدى ونورًا وشفاءً ، وأمرنا أن نتدبره ونعقله كله ،
لم يستثن منه شيئًا لا يُتدبر ولا يُعقل ، وأمر الرسول أن يبين للناس ما
نُزِّلَ إِليهم ، وأن يبلِّغَهم البلاغَ المبين .

فلو كان في القرآن شيءٌ لا يُفُقَه معناه ، لم يكن هناك معنى للأمر بتدبّره
وعقله ، ولم يكن الرسول حينئذٍ بَيَّنَ للناس ما نُزِّلَ إِليهم ، ولا
بَلَّغَ البلاغ المبين .

وأما المعنى الثاني للتأويل ، فهو نفس المراد بالكلام ، فإِن كان الكلامُ
أمرًا أو نهيًا ، فتأويلُه نفسُ فعل المأمور به ، وترك المحظور ، كما قالت
عائشة رضي الله عنها :

« كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول في ركوعِه وسجوده : "
سبحانَكَ اللهمّ ربَّنا وبِحَمْدِكَ ، اللهمّ اغْفِرْ لي " يتأوًّلُ القرآن
» (2) . تعني أن هذا هو تأويلُ قوله تعالى : { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
وَاسْتَغْفِرْهُ } [ النصر : 3 ] .

وإِن كان الكلام خبرًا ، فتأويله نفسُ الشيء المُخبرِ عنه ، فتأويل ما أخبر
الله به عن نفسه ، وعن اليوم الآخر ، هو نفس الحقيقة التي يُخبر عنها ،
وذاك في حق الله هو كُنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره ، وتلك هي
المتشابه الذي لا يَعْلَمُ تأويله إِلا الله ، فإِنَّ أحدًا لا يعرفُ
كيفيةَ ما أخبر الله به عن نفسه ، ولا يقف على كنه ذاته وصفاته غيره ، وهذا
هو الذي يجبُ تفويضُ العلم فيه إِلى الله عزَّ وجلَ (3) .

_________


(1) « العدة في أصول الفقه » لأبو يعلى محمد بن الحسين الفراء : ( 2 / 685 ) .



(2) أخرجه البخاري في كتاب التفسير ، سورة ( إذا جاء نصر الله والفتح ) (
4967 ، 4968 ) ، ومسلم في كتاب الصلاة ، باب ما يقال في الركوع والسجود : (
484 ) ، وأبو داود في كتاب الصلاة ، باب في الدعاء في الركوع والسجود : (
877 ) ، والنسائي في كتاب التطبيق ، باب نوع آخر من الذكر في الركوع : (
1047 ، 1122 ، 1123 ) ، وابن ماجه في كتاب إِقامة الصلاة . . ، باب التسبيح
في الركوع والسجود : ( 889 ) ، وأحمد في مسنده : ( 1 / 388 ، 392 ) .


(3) انظر « مجموع الفتاوى لابن تيمية » : ( 6 / 434 ) .


_________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 7:18

12 - تأثير الأسباب الطبيعيّة في مسبباتها بإذن الله :
إِن الله يخلق السحاب بالرياح ، وينزل الماء بالسحاب ، ويُنْبِتُ النباتَ بالماء ، ونحو ذلك .
والقولُ بأن الله يَفْعَلُ عند الأسباب لا بِها يُفضي إلى إِبطال حِكمةِ
الله في خلقه ، وأنه لم يجعل في العين قوةَ تمتاز بها عن الخدِّ تُبصِرُ
بها ، ولا في النار قوةً تمتازُ بها عن التراب تَحْرِقُ بها ، فضلًا عمَّا
في هذا القول من مخالفةٍ للكتاب والسنة ، فإِن الله تعالى يقول :
{ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } [ الأعراف : 57 ] .
ويقول :
{ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } [ البقرة : 164 ] .
ويقول :
{ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } [ التوبة : 14 ] .
ويقول :
{ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا } [ التوبة : 52 ] .
ويقول :
{ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ } [ ق : 9 ] .
ويقول :

{ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ
نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ }{ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ
رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ } [ المائدة : 15، 16 ] .
ومثل هذا في القرآن كثير ، وكذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
كقوله : « لا يموتن أحدٌ منكم إِلا آذَنْتُمونيِ حتى أُصلِّي عليه ، فإِنَّ
الله جاعلٌ بصلاتي عليه بركةً ورحمةَ » (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم : « إِن هذه القبور مملوءةٌ على أهلها ظُلْمَةً ، وإِنَّ الله جاعلٌ بصلاتي عليهم نورًا » (2) .
فالله سبحانه خلق الأسباب والمسببات وجعل هذا سببًا لهذا ، فإِذا قال
القائل : إِن كان مقدورًا ، حصل بدون السبب ، وإِلا لم يحصل . جوابه أنه
مقدورٌ بالسبب ، وليس مقدورًا بدون السبب .
وقولهم : إِن الله تعالى أجرى العادة بهذه الأسباب ، وأنه ليس لها تأثير في
المسببات بإِذنه ، قولٌ بعيدٌ جدًا عن مُقْتَضى الحكمة ، بل هو مُبطلٌ لها
، لأنَّ المسببات إِنْ كان يمكن أن تُوجَدَ من غير هذه الأسباب ، فأي
حكمةٍ في وجودها عن هذه الأسباب .
_________
(1) أخرجه النسائي في كتاب الجنائز ، باب الصلاة على القبر : ( 2022 ) ،
وابن ماجه في كتاب الجنائز ، باب ما جاء في الصلاة على القبر : ( 1528 ) .
(2) أخرجه البخاري بنحوه في كتاب الجنائز ، باب الصلاة على القبر بعدما
يدفن : ( 1337 ) ، وأخرجه مسلم واللفظ له في كتاب الجنائز ، باب الصلاة على
القبر : ( 956 ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 7:19

13 - الحسنُ والقبْحُ في الأفعال عقْليّان وشرعيان :
وقد ذهبوا في هذه المسألة مذهبًا وسطًا ، وهو أن الأفعال في نفسها حسنةٌ
وقبيحةٌ ، كما أنها نافعةٌ وضارةٌ ، وأنَّ العقلَ يُدركُ الحسْنَ والقُبْحَ
في الأشياء ، والله قد فطر عباده على استحسان الصدق ، والعدل ، والعفة ،
والإِحسان ، ومقابلة المنعم بالشكر ، وفطرهم على استقباح أضدادها ، لكنَّ
الثواب والعقاب شرعيّان يتوقفان على أمر الشارع ونهيه ، ولا يَجِبانِ عن
طريق العقل .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 7:20

14 - إثبات العقيدة بخبر الواحد المتلقى بالقبول عملًا وتصديقًا :
فقد احتجُّوا بخبر الواحد المتلقى بالقبول في مسائل الصفات والقدر ، وعذاب
القبر ونعيمِه ، وسؤال الملكين ، وأشراط الساعة ، والشفاعة لأهل الكبائر ،
والميزان ، والصراط ، والحوض ، وكثير من المُعجزات ، وما جاء في صفة
القيامة والحشر والنشر ، والجزم بعدم خلود أهل الكبائر في النار .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 7:22

15 - موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول :
فكُلّ ما ثبت من مسائل العقيدة في الكتاب ، والسنة ، يصدقها العقل الكامل
الصحيح الذي يُستخدم بدقةِ وإِمعانٍ ، لأن العقل الصريح في دلالته على
المراد ، لا يمكن أن يخالف المنقول الصحيح الثابت ، لأن العقل والنقل
وسيلتان لغايةٍ واحدةٍ ، هي الوصولُ إِلى الله ، والوسائل التي تؤدِّي إِلى
غايةٍ واحدةٍ لا يمكن لها أن تتعارض .
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية :
" المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط ، وقد تأملت ما تنازع فيه الناس ،
فوجدت ما خالف النصوص الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها ، بل يعلم
بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع ، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار ،
كمسائل التوحيد والصفات ، ومسائل القدر ، والنبوات ، والمعاد ، وغير ذلك .
ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه السمع ، الذي يقال إِنه يخالفه : إِما
حديثٌ موضوعٌ ، أو دلالةٌ ضعيفةٌ ، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن
معارضة العقل الصريح ، فكيف إِذا خالفه صريح المعقول !
ونحن نعلم أن الرسل لا يُخبِرون بمحالات العقول ، بل
بمحارات العقول ، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه ، بل يخبرون بما يعجز
العقل عن معرفته .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 7:51


16 - عدم جواز تكفير المسلم بذنب فعله إذا كان دون الشرك الأكبر ، وكان هذا الذنب مما اختلف فيه ، ولا بخطأ أخطأ فيه :

يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (1) - رحمه الله - وهو بصدد الحديث عن قاعدة أهل السنة والجماعة في أهل الأهواء والبدع :

" ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ، ولا بخطأ أخطأ فيه ، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة ، فإن الله تعالى قال :

{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا
نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [ البقرة : 285 ] ، وقد ثبث
في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء ، وغفر للمؤمنين خطأهم (2)
والخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم قاتلهم أمير
المؤمنين عليّ بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين ، واتفق على قتالهم أئمةُ
الدين من الصحابة والتابعين من بعدهم ، ولم يُكَفِّرهم عليُّ بن أبي طالب ،
وسعدُ بن أبي وقاص ، وغيرهما من الصحابة ، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ،
ولم يقاتلهم عليّ حتى سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا على أموال المسلمين ،
فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم ، لا لأنهم كفارٌ ، ولهذا لم يسبِ حريمهم ، ولم
يَغْنَمْ أموالهم .

وإِذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإِجماع لم يكفروا مع أمر الله
ورسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم ، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه
عليهم الحق في مسائل غلِط فيها من هو أعلم منهم !

فلا يحلُّ لإِحدى هذه الطوائف أن تُكفِّرَ الأخرى ولا تستحل دمها ومالها ،
وإِن كانت فيها بدعة محققة ، فيكف إِذا كانت المكفرة لها مبتدعةً أيضًا !

وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ . والغالب أنهم جميعًا جُهالٌ بحقائق ما يختلفون فيه .

والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمةٌ من بعضهم على بعض ، لا تَحِلّ إِلا بإِذن الله ورسوله .

قال النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا خطبهم في حجة الوداع :

« إِن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا » (3) .

وقال صلى الله عليه وسلم : « كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ : دمُهُ ، وماله ، وعِرضُه » (4) .

وقال صلى الله عليه وسلم : « من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل
ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ، وذمة رسوله فلا تُخفروا الله في
ذمته » .

وقال : « إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " قيل :
يا رسول الله ، هذا القاتل ، فما بالُ المقتول ؟ قال : " إِنه أراد قتل
صاحبه » .

وقال : « لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض » .

وقال : « أيما رجل قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما » .

هذه الأحاديث كلها في الصحاح .

إِذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك ، كما قال عمر
بن الخطاب في حاطب بن أبي بلتعة : « يا رسول الله ، دعني أضرب عُنُقَ هذا
المنافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إِنه قد شهد بدرا ، وما يدريك
، لعل الله اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » وهذا
في " الصحيحين " (5) .

وفيهما أيضًا من حديث الإِفك : « أن أُسيدَ بن الحُضير قال لسعد بن عبادة :
إِنك منافقٌ تُجادلُ عن المنافقين ، واختصم الفريقان ، فأصلح النبي صلى
الله عليه وسلم بينهم » (6) ، فهؤلاء البدريون فيهم مَنْ قال لآخر منهم :
إنك منافق ، ولم يكفِّر النبي صلى الله عليه وسلم لا هذا ، ولا هذا ، بل
شَهِدَ للجميع بالجنة .

وكذلك ثَبَتَ في " الصحيحين " (7) عن أسامة بن زيد « أنه قتل رجلًا بعدما
قال : لا إِله إِلاَ الله ، وعظَم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لما أخبره ،
وقال : " يا أسامة ، أَقَتَلْتَهُ بعدما قال : لا إِلى إِلا الله ! " وكرر
ذلك عليه حتى قال أسامةُ : تمنَّيتُ أني لم أكن أسلمتُ إِلا يومئذ » .

ومع ذلك لم يوجب عًليه قَوَدًا ولا ديةً ولا كفّارة ، لأنه كان متأولًا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوّذًا .

وهكذا السلفُ قاتل بعضُهم بعضًا من أهل الجمل وصفِّين ونحوهم ، وكلّهم مسلمون مؤمنون ، كما قال تعالى :

{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا
الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ } [ الحجرات : 9 ] .

فقد بيَّن الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إِخوة مؤمنون ،
وأمَرَ بالإِصلاح بينهم بالعدل ، ولهذا كان السلفُ مع الاقتتال يوالي
بعضُهم بعضًا موالاةَ الدِّين ، لا يُعادُون كمعاداة الكفَّار ، فيقبلُ
بعضُهم شهادة بعضٍ ، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ، ويتوارثون ، ويتناكحون ،
ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض ، مع ما كان بينهم من القتال
والتلاعن وغير ذلك .

_________

(1) « مجموعة الفتاوى لابن تيمية » : ( 3 / 282 - 285 ) .

(2) أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإِيمان ، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم
يكلف إِلا ما يطاق : ( 126 ) ، والترمذي في كتاب تفسير القرآن ، باب « ومن
سورة البقرة » : ( 2992 ) عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه
الآية : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) [ البقرة :
284 ] ، قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي صلى
الله عليه وسلم : « قولوا : سمعنا وأطعنا وسلّمنا » قال : فألقى الله
الإِيمان في قلوبهم فأنزل الله عز وجل : ( لا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها
لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إِن نسينا أو أخطأنا ) ، قال
: قد فعلت ، ( ربنا ولا تحمل علينا إِصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) ،
قال : قد فعلت ، ( واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا ) ، قال : فعلت [ الآية
من سورة البقرة : 286 ] . كما أخرجه مسلم من طريق آخر من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه : ( 125 ) .

(3) أخرجه البخاري في كتاب العلم ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : «
رب مبلغ أوعى من سامع » : ( 67 ) ، ومسلم في كتاب القسامة ، باب تغليظ
تحريم الدماء والأعراض والأموال : ( 1679 ) ، والترمذي في كتاب الفتن ، باب
ما جاء دماؤكم وأموالكم . . إِلخ : ( 2159 ) ، وابن ماجه في كتاب المناسك ،
باب الخطبة يوم النحر : ( 3055 ، 3057 ، 3058 ) ، وأحمد في مسنده : ( 1 /
230 ) .

(4) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة ، باب تحريم ظلم المسلم وخذله . . إِلخ
: ( 2564 ) ، وأبو داود في كتاب الأدب ، باب في الغيبة : ( 4882 ) ،
والترمذي في كتاب البرّ والصلة ، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم : (
1927 ) ، وابن ماجه في كتاب الفتن ، باب حرمة دم المؤمن وماله : ( 3933 ) ،
وأًحمد في مسنده : ( 2 / 277 ، 360 ) .

(3) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة ، باب فضل استقبال القبلة . . إِلخ : (
391 ) ، والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه ، باب صفة المسلم : ( 4997 ) .

(5) أخرجه البخاري في كتاب المغازي ، باب من شهد بدرًا : ( 3983 ) ، ومسلم
في كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنه . . . إلخ : (
2494 ) .

(6) أخرجه البخاري في كتاب المغازي ، باب حديث الإفك : ( 4141 ) ، ومسلم في كتاب التوبة ، باب في حديث الإفك . . إلخ : ( 2770 ) .

(7) أخرجه البخاري في كتاب الديات ، باب قول الله تعالى : ( ومن أحياها . .
) : ( 6872 ) ، ومسلم في كتاب الإيمان ، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال :
لا إله إلا الله : ( 96 ، 97 ) .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي   الأحد 4 مارس 2012 - 7:53

خاتمة

وهكذا أيّها المسلم مررنا - بإِيجاز - على مجمل اعتقاد سلفنا الصالح
وأئمتنا المعتبرين ، ورأينا كيف أنهم - في الجملة - متفقون ، وأنهم ينزعون
من منزعٍ واحد ، كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لم
يكن بينهم اختلاف في المنهج .

وإِذ كُنَّا نقلنا عن كل منهم مجمل اعتقاده في أصول الدين ، تحت عنوان مجمل
عقيدة ذلك الإِمام ، فليس المقصود أن له عقيدة تخالف معتقد الآخرين ، ولكن
المقصود ذكر ما أُثر عنه بلفظه في هذه المسائل .

والمقصود - أيضًا - أن نتأَسَّى - وخاصة العلماء والدعاة منا - بهؤلاء
الأئمة ، وأن لا نختلف حيث لم يختلفوا ، وأن لا نُقدم على أمر العقيدة أي
شيء ، وأن يكون في منهج كل داعية ، وكل جماعة تدعو إِلى الإِسلام الاهتمام
بالعقيدة الإِسلامية ، تأصيلًا وتحقيقًا ، وفق ما نزل في كتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم وما سار عليه أئمة السلف .

فإِذا كان ذلك ، فإِن النتائج ستكون مباركةً في صلاح الأمة الإِسلامية واستقامتها على المنهج الحق .

وإن لم يكن ذلك - كما هو المُشاهد في كثير من الدعوات والجماعات في الوقت
الحاضر - فإِن الشتات والفرقة وغلبة الهوى ، هي التي ستسود الناس ،
وبالتالي لن تكون نهضة إِسلامية ، وستَتَعثر الصحوة الإِسلامية التي تُعلق
الآمال عليها ، بفضل الله وتوفيقه في عودة المسلمين إِلى كتاب ربهم ، وسنة
نَبيهم صلى الله عليه وسلم ، واعتصامهم بحبل الله ، والتزامهم حكمه ،
وتطبيقهم شرعه .

نسأل الله بأسمائه الحسنى ، وصفاته العليا أن يوفقنا لصالح العمل ، ويهدينا
للتي هي أقوم ، وأن يُجنبنا كل زَلَل في ديننا ودنيانا ، فهو القادر على
ذلك ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إِلى يوم الدين
.


المصدر:مجمل اعتقاد أئمة السلف للشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة -الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: أَقْسَامُ الْمُنْتَدَى :: الْعَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ-
انتقل الى: