السَّـلَامُ عَلَيْـكُمْ زائِرُنَا الْكَــرِيمُ ، يُشَرِّفُـنَا
أَنْ تَقُومَ بِالتَّسْجِيلِ لِلْمُشَارِكَةِ فِي الْمُنْتَدَى


دَعْوَةٌ إِلَى الْإِصْلاَحِ وَمُرَاجَعَةِ التُّرَاثِ مِنْ أَجْلِ تَصْحِيحِهِ .
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ما حكم ترك الصلاة؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: ما حكم ترك الصلاة؟   السبت 26 يناير 2013 - 16:54

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين .

السؤال: ما حكم ترك الصلاة؟

الجواب من الشيخ عبد الله السعد: الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام وعموده ، وهي العلامة الفارقة بين المسلم والكافر . قال تعالى : { وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين } ، وقال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} .

وأخرج مسلم (82) من حديث أبي سفيان وأبي الزبير كلاهما عن جابر قال: سمعت النبي r يقول: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة».

وأخرج أحمد ( 5/346 ) والترمذي ( 2621 ) وغيرهما من طريق حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله r : « العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر » قال أبو عيسى الترمذي: حسن صحيح غريب.

وبالمحافظة عليها يحفظ الإنسان دينه كما أخرج مالك في «الموطأ» ( 1/5 ) عن نافع أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله : « إن أهم أمركم عندي الصلاة ، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع».

وهي آخر ما ينقض من عرى الإسلام كما أخرج أحمد ( 5/215 ) ومن طريقه الطبراني في «الكبير» ( 7486 ) وابن بطة في «الكبرى» (4) والحاكم في «المستدرك» ( 4/92 ) وصححه وأخرجه أيضاً محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة ( 407 ) وابن حبان ( 257- موارد) كلهم من طريق عبد العزيز بن إسماعيل عن سليمان بن حبيب عن أبي أمامة قال : قال : رسول الله r : « تنقض عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ، فأولهن نقضاً الحكم ، وآخرها الصلاة » وهو حديث حسن .

ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن الرسول ﷺ أخبر في هذا الحديث عن أول عروة تنقض وآخر عروة وهي الصلاة, فإذا نقضت آخر عروة من عرى الإسلام فلن يبقى بعدها إسلام لأنها آخر عروة منه, وبهذا الحديث استدل الإمام أحمد على كفر تارك الصلاة ، وهو دليل ظاهر، والأدلة على هذا كثيرة، ولذلك أجمع الصحابة على كفر تارك الصلاة .

أخرج محمد بن نصر في كتابه «تعظيم قدر الصلاة» ( 892 ) والخلال في «السنة» ( 1379 ) وابن بطة في «الإبانة» ( 876 ) واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» ( 1538 ) كلهم من طريق ابن إسحاق قال : ثنا أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال : قلت له : ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال على عهد رسول الله r ؟ قال : الصلاة .

هذا إسناد حسن ، لا بأس به ، وقول السائل: «عندكم» أي عند المسلمين ، وهم الصحابة في عهد رسول الله r .

وأخرج محمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» ( 947 ) ثنا يحيى بن يحيى أنا أبو خيثمة عن أبي الزبير قال : سمعت جابراً ـ رضي الله عنه ـ وسأله رجل : أكنتم تعدون الذنب فيكم شركاً ؟ قال : لا ، قال : وسئل : ما بين العبد وبين الكفر ؟ قال : ترك الصلاة .

وهذا إسناد صحيح ، والذي يبدو أن قول السائل : «ما بين العبد وبين الكفر؟» أي: عندكم، كما تقدم في سؤال السائل : أكنتم تعدون الذنب فيكم شركاً؟ فقوله: «فيكم» أي: الصحابة .

ويؤيد هذا الرواية السابقة ، وأيضاً رواية اللالكائي ( 1573 ) من طريق أسد بن موسى ثنا زهير عن أبي الزبير عن جابر وسأله : هل كنتم تعدون الذنب فيكم كفراً ؟ قال : لا ، وما بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة

وروى الخلال في «السنة» ( 1372 ) وابن بطه ( 877 ) في «الإبانة الكبرى» واللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» ( 1539 )، كلهم من طريق أحمد بن حنبل ثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن الحسن قال : بلغني أن أصحاب رسول الله r كانوا يقولون : بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر .

وهذا إسناد صحيح إلى الحسن وهو البصري ، ومن المعلوم أن الحسن سمع وأدرك جمعاً كبيراً من الصحابة .

وروى ابن أبي شيبة في الإيمان ( ص : 46 ) ثنا عبد الأعلى ، والترمذي في الجامع ( 2622 ) وابن نصر في الصلاة ( 948 ) من طريق بشر بن المفضل كلاهما عن الجريري عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال : كان أصحاب محمد r لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة .

وهذا إسناد صحيح ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى سمع من الجريري قبل أن يتغير، قال العجلي في تاريخ الثقات ( ص : 181 ) : وعبد الأعلى من أصحهم سماعاً ، سمع منه قبل أن يختلط بثمان سنين. ا.هـ .

وأما رواية بشر بن المفضل عن الجريري فهي في الصحيحين ، ولذلك قال ابن حجر في مقدمة الفتح ( ص : 405) : سمع منه قبل الاختلاط .

وأخرجه الحاكم ( 1/7 ) أخبرنا أحمد بن سهل الفقيه ثنا قيس بن أنيف ثنا قتيبة بن سعيد ثنا بشر عن الجريري عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة قال : كان أصحاب .. ا.هـ وهذا خطأ والصواب بدون أبي هريرة ؛ لأن الترمذي رواه عن قتيبة كذلك ، والترمذي مقدم على قيس الذي خالفه ، هذا مع الطرق الأخرى التي لم تذكر أبا هريرة .

وأخرجه الخلال في السنة ( 1378 ) من طريق ابن علية ثنا الجريري به ، ولفظه: ما علمنا شيئاً من الأعمال قيل تركه كفر إلا الصلاة .

وأخرج محمد بن نصر في الصلاة ( 978 ) ثنا محمد بن يحيى ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب قال : ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه .

وقال ابن نصر أيضاً ( 990 ): (سمعت إسحاق يقول : قد صح عن رسول الله r أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر) ا.هـ .

قلت : لعل إسحاق - وهو ابن راهويه - لم يعتد ببعض من خالف ممن أتى من بعد الصحابة ، ولذلك قال تلميذه محمد بن نصر في الصلاة ( ص : 925 ) : (ثم ذكرنا الأخبار المروية عن النبي r في إكفار تاركها وإخراجه إياه من الملة ، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها ، ثم جاءنا عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ مثل ذلك ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك ([1]) ، ثم اختلف أهل العلم بعد ذلك في تأويل ما روي عن النبي r ، ثم عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في إكفار تاركها وإيجاب القتل على من امتنع من إقامتها) ا.هـ .

وقال أبو محمَّد بن حزم : ( وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة _ رضي الله عنهم _ أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد ، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفا ) ا.هـ من «الترغيب» للمنذري (1/290) وينظر : الزواجر للهيتمي (1/298) فإنه أيضا قد نقل هذا عن أبي محمَّد بن حزم .

قلت : وقد روى عبد الله في «السنة»، وابن نصر في «الصلاة» و«الخلاف»، والخلال في «السنة»، والآجري في «الشريعة»، وابن بطة في «الإبانة»، عن جمع من الصحابة وغيرهم تكفير تارك الصلاة، وبعضهم أفرد باباً في كفر تاركها، وساق الأدلة على ذلك .

فصل

في ذكر الجواب عما احتج به على عدم كفر تارك الصلاة

وأما من استدل على عدم كفر تارك الصلاة بحديث عبادة بن الصامت t قال : سمعت رسول الله r يقول : «خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ، إن شاء عذبه ، وإن شاء أدخله الجنة ».

ووجه الشاهد هو قوله : « ومن لم يأت بهن ... » ، فلم يحكم بتعذيبه وخلوده في النار ، وإنما جعله تحت المشيئة ، وهذا يفيد أنه ليس بكافر ، لأنه لو كان كافرا لما جعله تحت المشيئة .

ويجاب عن ذلك بما قاله محمَّد بن نصر في كتابه «الصلاة» (ص:968_971) ، قال : (فإن قوله : « لم يأت بهن » إنما يقع معناه على أنه لم يأت بهن على الكمال ، إنما أتى بهن ناقصات من حقوقهن نقصانا لا يبطلهن ، ولم يقل ذلك ([2]) .

قلنا : بل روينا من طرق عن عبادة t مفسرا ... ) .

ثم ساق حديث عبادة من طريق محمَّد بن عمرو عن محمَّد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز عن المخدجي عن عبادة به ، ولفظه : « من جاء بالصلوات الخمس قد أكملهن لم ينتقص من حقهن شيئا جاء له وعند الله عهد أن لا يعذبه ، ومن جاء بهن وقد انتقص من حقهن شيئا جاء وليس له عند الله عهد ، إن شاء عذبه ، وإن شاء رحمه » .

ثم قال ابن نصر : ( فأخبر أنه أتى بهن ناقصات من حقوقهن ، وكذلك حدثنا محمَّد بن بشار ثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عبد ربه عن محمَّد بن يحيى بن حبان .... « ومن جاء بهن قد انتقص منهن شيئا استخفافا بحقهن لم يكن له عند الله عهد ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له » .

ثنا محمَّد بن يحيى ثنا أبو نعيم ثنا النعمان ([3]) - وهو : ابن داود بن محمَّد بن عبادة بن الصامت - عن عبادة بن الوليد عن أبيه الوليد بن عبادة عن عبادة ... « ومن انتقص من حقهن شيئا استخفافا لقي الله ولا عهد له ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له » .

ثنا إسحاق أنا أبو عامر ثنا زمعة - وهو ابن صالح - عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن عبادة ... « فمن أداهن بحقوقهن وطهورهن وما افترضت عليه فيهن ، فإن له عهدا أن أدخله الجنة ، ومن انتقص من حقوقهن شيئا فلا عهد له علي ، إن شئت عذبته ، وإن شئت غفرت له » .

قال ابن نصر : ومن حقوق الصلاة الطهارة من الأحداث ، وطهارة الثياب التي تصلى فيها ، وطهارة البقاع التي تصلى عليها ، والمحافظة على مواقيتها التي كان يحافظ عليها النبي r وأصحابه - رضي الله عنهم - ، والخشوع فيها من ترك الالتفات والعبث وحديث النفس ، وترك الفكرة فيما ليس من أمر الصلاة ، وإحضار القلب واشتغاله بما يقرأ ويقول بلسانه ، وإتمام الركوع والسجود ، فمن أتى بذلك كله كاملا على ما أمر به فهو الذي له العهد عند الله تعالى بأن يدخله الجنة ، ومن أتى بهن ولم يتركهن وقد انتقص من حقوقهن شيئا فهو الذي لا عهد له عند الله ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ، فهذا بعيد الشبه من الذي يتركها أصلا ، لا يصليها ) ا.هـ

وأنا أذهب إلى ما قاله محمَّد بن نصر ، لما ذكر من الدليل ، ويؤيده ما رواه الشاشي (1265) من طريق عمرو عن المطلب عن عبادة بن الصامت ، ولفظه : « ومن أتى بهن قد أضاع شيئا من حقهن استخفافا ، فإنه لم يكن له عند الله تعالى عهد ، إن شاء عذبه ، وإن شاء رحمه » .

والمطلب لم يسمع من عبادة ، ولكن هذه الطريق تشهد لما تقدم .

وما رواه أحمد (22704) وأبو داود (425) وغيرهم من حديث محمَّد بن مُطرِّف عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصُّنابحي عن عبادة ، ولفظه : « خمس صلوات افترضهن الله تعالى على عباده ، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن ، فأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن ، كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه » .

ويبدو من قوله عليه الصلاة والسلام : « ومن لم يفعل » أي : إحسان الوضوء وأداء الصلاة لوقتها ، وإتمام الركوع والسجود والخشوع ([4]) .

ويؤيد ذلك غير ما سبق ما رواه ابن نصر في «الوتر» (ص:249) : ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا خالد بن مخلد القطواني ثني سليمان بن بلال ثني سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله r : « كتب الله على العباد خمس صلوات ، فمن أتى بهن وقد أدى حقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن أتى بهن وقد ضيع حقهن استخفافا لم يكن له عهد ، إن شاء عذبه ، وإن شاء رحمه » ([5]) .

وهذا رجاله ثقات سوى خالد بن مخلد فإنه لا بأس به ، وخاصة ما رواه عن سليمان بن بلال وأهل المدينة ، وقد خرج له البخاري ومسلم من روايته عن سليمان بن بلال .

وقال أبو العباس بن تيمية : ( لكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة ، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها ، وهؤلاء تحت الوعيد ، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في «السنن» حديث عبادة ..... فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى ، والذي ليس ([6]) يؤخرها أحيانا عن وقتها ، أو يترك واجباتها ، فهذا تحت مشيئة الله تعالى ، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه ، كما جاء في الحديث ) ا.هـ من «الفتاوى» (22/49)، وينظر : «الدرر السنية» (10/305) .

فتبين مما سبق أن هذا الحديث ليس فيه حجة على أن تارك الصلاة ليس بكافر ، بل فيه دليل على كفره ، لأنه إذا كان يضيّع من حقها شيئا ويتهاون فيها كان تحت المشيئة ، فإذا لم يصل فهو ليس تحت المشيئة ، والله تعالى أعلم .

* * *

وأيضا من الأحاديث التي قد يستدل بها على عدم كفر تارك الصلاة :

ما رواه أحمد (19024) وأبو داود (428) وابن حبان (1741) والحاكم (1/20) وغيرهم من حديث فضالة الليثي قال : أتيت النبي r ، فأسلمت ، وعلّمني حتى علّمني الصلوات الخمس لمواقيتهن ، قال : فقلت له : إن هذه لساعات أشغل فيها ، فمرني بجوامع . فقال لي : « إن شغلت فلا تشغل عن العصرين » . قلت : وما العصران ؟ قال : « صلاة الغداة ، وصلاة العصر » .

ووجه الاستدلال بهذا الحديث : هو اكتفاؤه بصلاتين عن باقي الصلوات الخمس .

قلت : وهذا غير صحيح ، وإنما المقصود تأخير الصلاة عن وقتها ، قال السندي : ( قوله : « أشغل فيها » أي : فربما يؤدي ذاك إلى تأخيرها عن مواقيتها المندوبة . «بجوامع» يكون أداؤها في أحسن أوقاتها يغني عن أداء الكل في أحسن أوقاتها . قوله : «العصرين» أي : فأدِّهما في أحسن أوقاتهما ، وأدّ البقية بالوجه المتيسر ، فلا دلالة في الحديث على أن الصلاتين تكفيان عن الخمس ) ا.هـ من «حاشية المسند» (31/370_ طبع دار الرسالة) .

مع أن هذا الحديث ليس فيه تركها بالكلية ، وأيضا وقع في الحديث اختلاف في إسناده ، وفيه من ليس بالمشهور - على الرواية الراجحة - ، وقد أنكر هذا الحديث الذهبي ([7]) .

* * *

وأما من استدل بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ : «حتى إذا خلص المؤمنون من النار فو الذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا، قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا».

وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرءوا إن شئتم: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} .

«فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض»، فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية؟ قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟! فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا».

ووجه الشاهد من هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: «فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط» وقوله: «هؤلاء عتقاء الله أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه» فعلى هذا لا يكون العمل لا بد منه في الإيمان.

وأقول – وبالله التوفيق -: في الجواب على ذلك:

1 - لا بد من الجمع بين نصوص الكتاب والسنة, وعدم أخذ بعضها وترك البعض الآخر, ولا شك أن بعضها يفسر البعض الآخر, وبعضها يتم البعض الآخر, والأدلة التي تقدم ذكرها - وهي كثيرة - تدل على أن العمل لا بد منه في الإيمان, وأن من لم يأت به يكفر, وهذه الأدلة محكمة؛ لأنها مفسرة وليست بمجملة, بينما هذا النص يحتاج إلى بعض التفسير في قوله عليه الصلاة والسلام: «بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه»، فقد يقول قائل: إن ظاهر هذا الحديث أن هؤلاء الذين يخرجون من النار لم يعملوا قط, لا أعمال اللسان - وأعظم ذلك: النطق بالشهادتين - ولا أعمال الجوارح, ولا يخص بأعمال الجوارح دون اللسان؛ لأن الحديث عام.

فيقال جوابا عن ذلك: إن النطق بالشهادتين دلت عليه أدلة أخرى فيخصص بها هذا الحديث, وهذا إجماع من المسلمين.

ويقال أيضا: إن أعمال الجوارح دلت عليها أدلة أخرى كثيرة, كما تقدم, وهذا مما يفسر به هذا النص.

2 - وأيضا مما يفسر هذا النص حديث أبي هريرة وحديث جابر رضي الله عنهما, فأما حديث أبي هريرة وقد جاء هو وحديث أبي سعيد الخدري بإسناد واحد - الزهري عن عطاء بن يزيد عنهما - وهما حديث واحد, ولكن في أحدهما ما ليس في الآخر, فقد جاء في حديث أبي هريرة: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد, وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار, أمر الملائكة ([8]) أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا الله, فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود, تأكل النار من أذن آدم إلا أثر السجود, حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود...» أخرجه البخاري (806، 6573، 7467) ومسلم (182).

وأما حديث جابر فأخرجه مسلم (191) من طريق قيس بن سليم العنبري ثني يزيد الفقير ثنا جابر: قال رسول الله ﷺ : «إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم، حتى يدخلون الجنة».

وقد أخرج مسلم قبله من طريق أبي الزبير عن جابر ولفظه: «ثم تحل الشفاعة ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل، ويذهب حُرَاقُه، ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها».

فحديث أبي هريرة وحديث جابر مما يفسر حديث أبي سعيد، وأن هؤلاء الذين يخرجون من النار ممن يصلون لأنهم يعرفون بآثار السجود و(دارات الوجه) هو موضع السجود, ولذلك قال محمد بن نصر في «الصلاة» (2/1009): (أفلا ترى أن تارك الصلاة ليس من أهل ملة الإسلام الذين يرجى لهم الخروج من النار ودخول الجنة بشفاعة الشافعين، كما قال ﷺ في حديث الشفاعة الذي رواه أبو هريرة وأبو سعيد جميعا رضي الله عنهما أنهم يخرجون من النار يعرفون بآثار السجود، فقد بين لك أن المستحقين للخروج من النار بالشفاعة هم المصلون) ا.هـ.

وبهذا الحديث استدل ابن أبي جمرة ([9]) أيضا على أن تارك الصلاة لا يخرج من النار, إذ لا علامة له, كما في الفتح (11/457).

وقال أبو الفرج ابن رجب في فتح الباري (7/241): (واستدل بذلك بعض من يقول: إن تارك الصلاة كافر, تأكله النار كله, فلا يبقى حاله حال عصاة الموحدين, وهذا فيمن لم يصلي لله صلاة قط ظاهر) ا.هـ.

إذا هؤلاء معهم بعض العمل؛ لأن الصلاة أعظم الأعمال بعد التوحيد.

3 - مما يفسر ما تقدم ما جاء في حديث أبي سعيد نفسه في قوله ﷺ : «فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه» .

وهذا يدل على من كان لا يسجد لله في الدنيا لا يستطيع السجود لله يوم القيامة, هذه صفة الكفار الذين ليس معهم عمل السجود, وهي الصلاة, قال تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون . خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون. فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} .

قال محمد بن نصر في «الصلاة» (2/1010): (أولا ترى أن الله تعالى مَيَّز بين أهل الإيمان وأهل النفاق بالسجود ، فقال تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} ، وقد ذكرنا الأخبار المروية فى تفسير الآية في صدر كتابنا فقال الله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} , وقال تعالى: {وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون} أفلا تراه جعل علامة ما بين ملة الكفر والإسلام وبين أهل النفاق والإيمان في الدنيا والآخرة الصلاة)ا.هـ.

وقال العماد ابن كثير في تفسير ما سبق من الآيات (8/200): ( وقوله: {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة} أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى الرب عز وجل، فيسجد له المؤمنون، لا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقا واحدا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خر لقفاه، عكس السجود، كما كانوا في الدنيا، بخلاف ما عليه المؤمنون) ا.هـ.

4 - ومما يفسر الحديث السابق ويؤيد ما تقدم قوله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون}، وقال تعالى: {إلا أصحاب اليمين في جنات يتسألون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين}، وقال تعالى: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى} ([10]).

قال ابن كثير في تفسير ما سبق (8/282): (هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه, متوليا عن العمل بقالبه فلا خير فيه باطنا ولا ظاهرا) ا.هـ.

وقال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين . وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. ويل يؤمئذ للمكذبين }.

وأخرج مسلم (81) وغيره من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار».

كل هذه النصوص تشترط العمل للنجاة من عذاب الله تعالى، وتفيد أيضا أن من أسباب الكفر ترك العمل بالكلية, وهذا مما يفسر حديث أبي سعيد الخدري.

5 - ومما يفسر حديث أبي سعيد السابق, ما رواه البخاري (136) ومسلم (246) واللفظ له من حديث نعيم بن عبدالله عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غُرًّا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرَّته فليفعل».

وفي لفظ عند مسلم (247) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة: فقالوا: يا نبي الله, أتعرفنا؟! قال: «نعم, لكم سيما ليست لأحد غيركم, تَرِدُون علي غرا محجلين من آثار الوضوء».

وفي لفظ آخر عنده (249) من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلا له خيل غُرّ محجّلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟!». قالوا: بلى يا رسول الله. قال « فإنهم يأتون غُرًّا محجَّلين من الوضوء».

وهذا يدل على أن رسول الله ﷺ يعرف أمته يوم القيامة بهذا العمل العظيم وهو الوضوء, فمن لم يأت به فلا يكون من أمته أي: أمة الإجابة.

وكل ما تقدم مما يفسر حديث أبي سعيد الخدري ويبينه ويقيده.

ولكن قد يقال: على ماذا يحمل حديث أبي سعيد الخدري؟

فأقول – وبالله التوفيق -: قال أبو بكر ابن خزيمة في «التوحيد» (2/732): (هذه اللفظة: «لم يعملوا خيرا قط» من الجنس الذي يقول العرب ينفى الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام, فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال ([11]), لا على ما أوجب عليه وأمر به) ا.هـ.

وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو بكر ابن خزيمة, إذا كان يقصد بالكمال هو الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويستحق العقوبة عليه, جمعا بين هذا النص وما تقدم من الأدلة, وكل ما أمكن الجمع بين الأدلة فهذا هو الواجب, وحمل حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدم معروف في الشريعة, وجاءت الأدلة عليه, وذلك عندما يأتي النفي لمسمى ([12]) شيء في الكتاب والسنة يكون محمولا على واحد من أمرين:

1 إما نفي لهذا الشيء كله.

2 أو نفي لكماله الواجب.

فأما الأول فمثاله: ما أخرجه الشيخان: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب», وأيضا ما جاء في «الصحيحين»: «ارجع فصل فإنك لم تصل».

فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة» و«لم تصل» هذا النفي لكل صلاة, وأن الصلاة باطلة ولا تصح.

وأما الثاني فمثاله: ما أخرجه الشيخان: « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...»، وأيضا ما جاء في «السنن» عن ابن عباس ([13]) : «من سمع النداء فلا صلاة له إلا من عذر», وما أخرجه البخاري: «والله لا يؤمن, والله لا يؤمن, والله لا يؤمن, الذي لا يأمن جاره بوائقه».

فعلى هذا يكون قوله ﷺ: «بغير عمل عملوه, ولا خير قدموه» إما أن يكون المقصود في العمل بالكلية, أو كماله الواجب, والثاني هو الذي دلت عليه الأدلة, والله تعالى أعلم.

أو يحمل هذا الحديث على زمن الجهل ودروس الإسلام, ومن لم تبلغه الدعوة, وهذا الوجه الثاني, ومن أدلة ذلك حديث حذيفة: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لايدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ، ولا صدقة ، وليسرى على كتاب الله عز و جل في ليلة ، فلا يبقى في الأرض منه أية ، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز ، يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة : لا إله إلا الله ، فنحن نقولها» فقال له صلة : ما تغني عنهم لا إله إلا الله ، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ، ولا نسك ولا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة ، ثم ردها عليه ثلاثا ، كل ذلك يعرض عنه حذيفة ، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : ياصلة تنجيهم من النار.

أخرجه ابن ماجه وغيره, وسوف يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.

ووجه الشاهد من هذا الحديث أن هؤلاء لم تقم عليهم الحجة بترك هذه الأعمال؛ لعدم بلوغهم الخطاب بهذه التكاليف فهم معذورون, وعلى هذا حمل أبو الوفاء ابن عقيل بعض النصوص التي جاء فيها عدم العمل ونقل ذلك عن أصحابه الحنابلة كما في «مجموعة الرسائل والمسائل» (4/512-513).

أو يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري على الأمم الأخرى, وهذا الوجه الثالث كما في «الصحيحين» من حديث حذيفة عن النبي ﷺ: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئا؟! قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أداين الناس، فآمر فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوّزوا عن الموسر، قال الله عز وجل: تجوّزوا عنه».

وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة بنحوه, وفي لفظ عند النسائي (6247- الكبرى): «أن رجلا لم يعمل خيرا قط, وكان يداين الناس...» ([14]) .

فهذا في بعض الأمم السابقة لقوله عليه الصلاة والسلام: «ممن كان قبلكم» وحديث أبي سعيد الخدري الذي جاء في ذكر الشفاعة جاء فيه: «شفعت الملائكة, وشفع النبيون...» فهذا يشمل الأمم الأخرى, والله تعالى أعلم.

أو يحمل حديث أبي سعيد على من لم يتمكن من العمل, وهذا الوجه الرابع, قال صاحب كتاب «توحيد الخلاق في جواب أهل العراق» (ص:105): (وأما إخراج الله من النار من لم يعمل خيرا قط, بل كفى عن العمل وجود أدنى إيمان في قلبه, وإقرار بالشهادتين في لسانه, فهو إما لعدم تمكنه من أداء ما افترض الله عليه من أركان الإسلام, بل بمجرد أدنى إيمان في قلبه وشهادة بلسانه خرمته المنية, لكنه قد عمل عملا مفسقا به لوجود ما صدر منه عالما به فاستحق دخول النار عليه)ا.هـ.

قلت: ويشهد لما تقدم الرجل الذي كان في بني إسرائيل وقتل تسعة وتسعين نفسا إلى أن كمل المائة, ثم تاب, وهاجر إلى أرض فيها أناس يعبدون الله تعالى فمات في الطريق, فاختصمت فيه ملائكة الرحمة, وملائكة العذاب, فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا, مقبلا بقلبه إلى الله, وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط...» أخرجه البخاري (347) ومسلم (2766) من حديث قتادة عن أبي الصديق عن أبي سعيد به, والشاهد من هذا الحديث أن هذا الرجل لم يتمكن من العمل غير التوبة وهجرته, ولا شك أن هذه أعمال عظيمة.

وهذا يشهد لكلام ابن خزيمة السابق, في أن العرب تنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام؛ لأن الملائكة في هذا الحديث قالت: «إنه لم يعمل خيرا قط» وهو قد عمل صالحا بتوبته وهجرته والملائكة لا يمكن أن تكذب, فدل هذا على أنه مما يسوغ استعماله في اللغة, كما قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى.

* * *

وأما من استدل على عدم كفر تارك الصلاة بحديث حذيفة t قال : قال رسول الله r : «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة ، فلا يبقى في الأرض منه آية ، وتبقى طوائف من الناس - الشيخ الكبير والعجوز - يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة ( لا إله إلا الله ) فنحن نقولها » . فقال له صلة : ما تغني عنهم ( لا إله إلا الله ) وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ؟! فأعرض عنه حذيفة ، ثم ردها عليه ثلاثا ، كل ذلك يعرض عنه حذيفة ، ثم أقبل عليه في الثالثة ، فقال : يا صلة ، تنجيهم من النار .

أخرجه ابن ماجه (4049) - وهذا لفظه - والبزار في «مسنده» (2838) والحاكم (4/473) - وقال : صحيح على شرط مسلم - ، كلهم من طريق أبي معاوية عن أبي مالك عن ربعي عن حذيفة به .

وقال البزار : ( وهذا الحديث قد رواه جماعة عن أبي مالك عن ربعي عن حذيفة موقوفا ، ولا نعلم أحدا أسنده إلا أبو كريب عن أبي معاوية ثنا به أبو كامل أنا أبو عوانة عن أبي مالك عن ربعي عن حذيفة بنحوه موقوفا ) ا.هـ .

فالجواب عن هذا الحديث : أن هؤلاء لم تقم عليهم الحجة بفرضية الصلاة وغيرها ، وذلك لجهلهم ، بدليل قوله :«لا يدرى ما صيام ولا صلاة ...»، وحتى القرآن قد رفع ، ولا يعرفون من الإسلام إلا أصله ، والحجة لا تقوم إلا على من بلغه أمر الله تعالى ، قال تعالى : {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} الآية ]الأنعام : 193[، وأما من لم يبلغه العلم فهو معذور .

وقد أخرج مسلم في «صحيحه» (153) من حديث أبي يونس عن أبي هريرة عن رسول الله r أنه قال : « والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار » .

قال أبو زكريا النووي في «المنهاج» (2/188) - عند شرح هذا الحديث - : ( وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور ، وهذا جار على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح ، والله أعلم ) ا.هـ .

وقال أبو العباس بن تيمية : ( ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ لقوله تعالى : {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}]الإسراء:15[ ، وقوله : {ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ]النساء : 165[ ، ومثل هذا في القرآن متعدد ، بين سبحانه أنه لا يعاقب أحدا حتى يبلغه ما جاء به الرسول ) ا.هـ من «الفتاوى» (22/41) .

هذا والله تعالى أعلم, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه والتابعين.



([1]) حتى من أتى من بعد الصحابة _ رضي الله عنهم _ من أهل القرن الثاني ونصف القرن الثالث فأكثرهم على كفر تارك الصلاة ، كما يدل على ذلك كلام إسحاق بن راهويه ، وفي الكتب التي سأذكرها بعد أسطر فيها نقول عنهم في ذلك .

ولذلك نقل ابن نصر في كتابه "الصلاة" (2/936) ذلك عن جمهور أصحاب الحديث .

وقال حمد بن ناصر بن معمر : ( وهو مذهب جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم ) ا.هـ من "الدرر السنية" (10/307) .

ومن استدرك علينا بمخالفة الزهري فالجواب عن هذا موجود في الكلام المتقدم, ولا يلتفت إلى قول الزهري في هذا, فأين قول الزهري من قول عمر وعلي؟ فكيف يستدرك طالب علم بما جاء عن الزهري لكي يرد ما جاء من الإجماع عن الصحابة .

وأما من استدرك علينا بمخالفة الزهري، فالجواب عنه مذكور في الكلام السابق, ثم أين قول الزهري من قول عمر رضي الله عنه ومن معه من الصحابة؟ وكيف يعترض طالب علم على إجماع الصحابة بما جاء عن الزهري؟!

([2]) يظهر أنه سقط بعض الكلام هنا .

([3]) فيه جهالة ، ترجم له البخاري (8/80) وابن أبي حاتم (8/447) ، وسكتا عنه ، وباقي رجاله ثقات ، وأخرجه الشاشي في "مسنده" (1177 و 1285) .

([4]) كما تقدم في كلام ابن نصر .

([5]) وأخرج أبو داود (430) وابن ماجه (1403) وابن نصر (ص:249) وابن عدي في "الكامل" (4/1422) من حديث أبي قتادة ، ولفظه نحو ما تقدم ، ولكنه لا يصح .

([6]) كذا ، ولعل الصواب بحذفها .

([7]) يراجع حاشية "المسند" ( طبع الرسالة ) .

([8]) لكن في حديث أبي سعيد: «شفعت الملائكة، وشفع النبيون, وشفع المؤمنون, ولم يبق إلا أرحم الراحمين, فيقبض...».

([9]) وتعقبه ابن حجر في الفتح فقال: لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة, لعموم قوله: «لم يعملوا خيرا قط».

([10]) ينظر: «تعظيم قدر الصلاة» لابن نصر (1/129) وما بعدها, فقد ذكر هذه الآيات وتكلم عليها.

([11]) ينظر: كتاب «توحيد الخلاق» (106).

([12]) ينظر: «مجموع الفتاوى» (7/15) فقد ذكر هذا, وذكر أكثر الأمثلة.

([13]) جاء مرفوعا وموقوفا, والصواب وقفه.

([14]) وهذا يشهد لقول ابن خزيمة السابق: (إن العمل قد يبقى ويكون المقصود الكمال الواجب؛ لأن هذا الرجل نفي عنه العمل مطلقا مع كونه ينظر الموسر, ويتجاوز عن المعسر, وهذا عمل).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ما حكم ترك الصلاة؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: أَقْسَامُ الْمُنْتَدَى :: الْفِقْهُ الْمالِكِيُّ و الْفِقْهُ الْعَامُّ-
انتقل الى: